الأحد، 17 ديسمبر 2017

الرسالة الثامنة

عزيزتي الآتية من المستقبل
هل من إشارة تخبرينني بها إلى أين يجب أن أتجه؟ طريقان يكسوهما الضباب فلا أميز معالمها، لكني أَجِد قدمي تسير من تلقاء نفسها انطلاقا من حيث وُضِعَت على ناصية أحد الطريقين ذات مرة. هل من إشارة تخبرينني بها أن أكمل؟ أن أعود أدراجي وأسلك الطريق الآخر؟ أو حتى أن أنتظر مكاني لأن الضباب سينحسر قريبا، فأختبر بعيني وعورة الطريقين وطوليهما ونهايتيهما؟
العصافير خلقت بأجنحة لأنها خلقت لتطير، دائما ما تقولين ذلك، لكن كيف السبيل للاستئناس بتغريدها العذب وهي بعيدة بعد السماء، تطير بسرعة الريح، وتقطع الجبال والوديان والسهول والبحار بيسر لم يمنح لقدمي العاجزة؟ عصفوري لا يزال في القفص، صحيح أنه لا يغرد كلما طلبت منه ذلك، لكنه لا يزال يغرد بين حين وآخر، حين يستجيب لمطلبي يتحفني بلحن لا تمل أذناي منه، فأشعر حينها برغبة بفتح قفصه وإطلاقه والانطلاق وراءه، ليدوم تغريده طوال العمر وتدوم نشوتي معه. أفيق من أحلام اليقظة فأجده ينظر إليّ وكأنما أدرك أن الحلم يداعبني، فأشيح بوجهي عنه منهية حلمي وحلمه، فيكتسي تغريده حزنًا وسوادًا -يكاد يكون مرئيًا- ويخفت تدريجيًا.
اليوم كان شاقًا. على الجدول عمل كثير، والوقت لا يتمهل، ورب العمل لا يتوانى عن استغلال كل فرصة سانحة ليعيب العاملين وما يعملوه. وصلت فيما بدا لي مبكرًا، فهدأ توتري قليلاً؛ بوسعي إنجاز بعض الأعمال بهدوء، فأكسب تقليص قائمة مهامي دون أن يقف أحدهم فوق رأسي يستعجلني بطنين مزعج، ودون أن تشتت تركيزي وترهق أعصابي همهمات زملائي الضجرة وأحاديثهم اليائسة، وبعد كل هذا أنال استحسان المدير -لست متأكدة من وجود احتمالية لحدوث هذا، لا أعني معي، بل أعني أن ينال أي أحد استحسانه في أي موقف عابر ولو مرة واحدة- الذي سيجدني أسبق الباقين بفارق وإن كان بسيطًا. تشغله المقارنات كثيرًا. يهوى استخدامها بيننا، للتحفيز كما يقولون، أو للإحباط كما يفعل هو. وإن كانت هوايته محاربتنا بهذا السلاح، فاليوم فرصة لإبعاد سلاحه عن رقبتي. استغرقتني الخطط والأماني ففوجئت به يقف على الباب، يقلب المكان بناظريه فيستاء عندما لا يرى أحدًا، ثم يتوجه إليّ ويسأل باستفاضة عما تم وعما تبقى. كان وحشَا ضاريًا وكنت فريسته الضعيفة الوحيدة التي لم يجد غيرها ليسد جوعه. تظاهرت بعدم الاكتراث لتأنيبه وحافظت على ابتسامتي بجهد بالغ وأنا أوافقه الرأي في كل كلمة يقولها، حتى في سؤال مثل: "لم لا أراكِ هنا؟" يريد التلميح لغيابي وأنا لم أغب قبلاً، "لا أقصد حضورك جسديًا، فليس هذا صعبًا على أي أحد، قصدت حضور ذهنك وبديهتك وتواجد روحك أثناء العمل، وهذا غائب دائمًا! سألتك عن تفاصيل دقيقة لكنها شديدة الأهمية فيما كلفت به، ومع ذلك فأنت تراجعين أوراقك الآن أمامي قبل الإجابة. أليس هذا غيابًا للذهن؟ عندما تكون روحك في هذا المكان ستجدين كل الإجابات متراصة في عقلك تتدافع وراء بعضها لتجيب السؤال قبل طرحه."
بعد كل هذا جاء أحدهم أخيرًا، ويبدو أن المدير كان يبحث عنه في الأساس، لأنه تركني دون إكمال ما كان يقوله وتوجه ناحية زميلي مسرعًا. تمنيت لو بكر في مجيئه قليلاً! جلست إلى مكتبي ورحت أراجع ما نبهني له قبل البدء في مهامٍ جديدة أضافها للقائمة المعدة سابقًا.
بعد وقت طويل أنجز فيه القليل بمشقة، أتت تلك الساعة. حملت أغراضي وتعبي وضيقي معي وتوجهت لحيث ما قرروه مكانا لإقامة ورشة الكتابة، فلم أَجِد غيري. هاتفت منظم الورشة، فأخبرني أنه لم يتذكر موعد اليوم إلا من نصف ساعة، وأمامه الآن ربع ساعة ليصل للمكان. انتظرته بصبر بينما أفكر فيما يمكن أن أكتب اليوم. جاء فبدأنا، ولم يتوقف قلمي عن الحركة إما كتابة أو شطبًا لبعض ما كتب. وما حدث قبل موعد الكتابة كان له نصيب فيما كنت أكتبه ولو بشكل غير مباشر، فقد وجدت سخطي من المدير يتجسد في شخصية شريرة لقصة على الورق، وفوجئت بضيقي يدفعني نحو كتابة المزيد. مر الوقت سريعًا، نظرت لما كتب فوجدته قدرٌ لا بأس به، مسودة أولى تبدو جيدة، والأهم أن محور القصة قد تبلور تمامًا في ذهني، وإن لم يتضح ذلك على الورقة بعد. ابتسمت. قرأنا ما كتبناه، وسعد كلانا بما كتب وما سمع. ودعت منظم الورشة ممتنة وأنا أود لو أن العمر يتوقف عند تلك اللحظة فتمتد بلا بداية أذكرها ولا نهاية أراها أو أترقبها، لحظة سرمدية لا يشوبها حزن على ماضٍ أو خوف من آتٍ.

العصافير خلقت بأجنحة لأنها خلقت لتطير، لكن هل يتوجب دائمًا إطلاقها؟ شغلني السؤال وأنا أعود أدراجي لأداء ما تبقى من عمل. والحقيقة أنه دائمًا ما يشغلني - السؤال لا العمل، فأنا غائبة الذهن والروح! -. الكتابة عمل مجهد، وأخشى أن قدمي لا تقدر على مواصلة الركض وراء الكلمة والمعنى، لكنها تسعدني رغم مشقتها. أتأمل ما أكتبه فنادرًا ما يتملكني شعورٌ بالعجب، وكثيرًا ما أرغب في حذف ما كتبته قبل أن يطلع مخلوق آخر عليه، وأتساءل أهي الإشارة التي أطلبها منك الآن، أم أن ما تزيحه الكتابة من هموم متراكمة طوال اليوم هي الإشارة المرتقبة؟ وهل يجدر بالتغريد أن يملأ حياتنا، فتصبح ملاحقته واتباعه الشغل الشاغل، أم يجدر به البقاء في ركن نلجأ إليه عندما نتعب من الركض وراء أشياء أخرى، فتأنس به الروح وتقوى على مواصلة الركض؟ وهل عندما نقرر إطلاق عصافيرنا والركض وراءها سيبقى في العمر متسع تغصي فيه آذاننا للتغريد، أم سيبقى صوت لهاث ركضنا طاغيًا عليها؟ هل من إشارة -يا عزيزتي- تخرجيني بها من حيرتي، وتهديني أول خيط الإجابة عن أسئلتي، وتخبرينني إلى أين يجب أن أتجه؟ 

الجمعة، 17 نوفمبر 2017

الرسالة السابعة

عزيزتي منة،

بالأمس انهارت قلعة أخرى. لا أذكر بالضبط متى شيدت، ولم يصادف أن عاينت شرخًا في إحدى جدرانها ينسحب ببطء على بقية هيكلها، ولم تهاجم بموجة أو اثنتين قبلاً تضعفها وتهيئ لها -ولي- لحظة الانهيار. موجة عالية غمرت القلعة ثم انحسرت عن حطام، ولا شيء آخر!

مرت أعوام كثيرة، لكني لا زلت أذكر الأيام التي أمضيناها سوية. طالبتان جامعيتان تطوفان في أروقة الجامعة الواسعة دون هدف، وصديقتان مقربتان تجربان كل أسبوع مطعمًا مختلفًا أو محلاً جديدًا. تبهرنا حياتنا الجديدة ويبهرنا كونها صارت جديدة لمجرد انتقالنا للجامعة. كل شيء كان جديدًا لكن جميلاً ومانحًا لقوة غريبة. هل كان هذا هو مصدر تلك القوة فعلاً؟ رأينا الحياة تتغير من حولنا فآمنا بالتغيير، ورأيناها تتغير لصورة أحببناها فاعتقدنا أنها امتثلت لرغبتنا، فآمنا بالقوة، وعندما آمنا بها امتلكناها؟

دفعتنا تلك القوة يومًا لتوقع الكثير، حلمنا بما لم نحلم به يومًا، وظننا -لعظم ما بدت عليه تلك الأحلام في عيونا ولجدتها على عقولنا الصغيرة وقتها- ألّم تزر تلك الأحلام قلوبًا قبل قلوبنا.

يومًا أخبرتني -يا عزيزتي- أنك تحبين البحر وتحبين شاطئه، لكنك تكرهين ارتباطه في ذهنك بالسفر. لطالما كان السفر بالنسبة لك إما غربة موحشة تخلط أي لحظة استمتاع تصادفينها برهبة المجهول فتستحيل المتعة الكاملة، وإما هروبًا من شيء ما، أي شيء، وأنت قلت لي أيضًا أنك لا تحبين الهروب، لأنه لا يكف عن إخبار الهارب بأنه لم يكن جديرًا بمنة الحياة التي منحت له. ولأنك تحبين البحر وترغبين أن تغادرك غربة المسافر وخوف الهارب عندما تكونين على شاطئه، فقد كان حلمك أن تبني بيديك قلاعًا من الرمال على شاطئه، فتحل ألفة المسكن وعشرة الرمال محل وحشة السفر، ويصير البحر بشاطئه بيتًا لك.

كم مرة دفعتنا قوتنا لخلق المزيد من الأحلام؟ مرات عديدة يصعب إحصاؤها، ربما بعدد شواطئ البحر التي رزناها ووددنا أن تكون ملكنا، وبعدد قلاع الرمل التي عزمنا على تشيدها لتصبح تلك الشواطئ ملكنا. كانت النشوة تغمرنا في كل مرة تلمس فيها أيدينا الرمال، نخلطه بالماء، نشكله ليشبه تصميم القلعة الذي حددناه مسبقًا، نحفر بأدواتنا البسيطة نقوش الجدران، نبرز أطر النوافذ والأبواب، ثم نغرس أعلاها علمًا أزرق يحمل صورتينا عندما نعلن انتهاءنا. في كل مرة نكرر تلك الخطوات بذات الترتيب نزداد قوة، فنذهب لبناء قلعة أخرى لندخل قطعة أخرى من الشاطئ لحيز الألفة. وقبل أن تخور قوانا تعبين من العمل، ننظر لما بنيناه فيحل السرور محل التعب، ونضحك عاليًا. نستلقي على الرمال ونتأمل السماء، ونشعر أننا قد صرنا نملك جزءًا منها بالتبعية، فالقلاع نملكها فنملك البحر، والبحر يعكس السماء فوقه على صفحته فنرى ضوء القمر ونحس دفء الشمس، فنملك السماء. أقول -وأرفع صوتي وكأنك لا تنامين جواري وكأن المكان يضج بأصوات كثيرة غير صوت أمواج البحر وصوتينا-: تعالي ننزل البحر الآن. وأنهض وأسحبك بقوة، ثم أدفعك نحو المياه فتقعين أرضًا، وتتعالى ضحكاتنا أكثر وأكثر.

قبل عامٍ من اليوم، غلبنا النوم فنمنا على الشاطئ، واستيقظت أنا عندما أحسست ببرودة في قدمي، فوجدت المد يعلو والماء يقترب منا ومن قلاعنا. أيقظتك فزعة وأخذت أصرخ وأقول بأن القلاع ستنهار، وما إن أفقتِ حتى شاركتني خوفي وصراخي، ثم ركضي بعيدًا بعد أن أيقن كلانا ألا شيء يمكن أن نفعله. أخذنا نراقب الموج يزحف تدريجيّا ويزداد قوة وعنفًا كلما اقترب، ثم يدمر واجهة قلعتين كانتا أقرب ما يكون إلى الشاطئ، ثم يهدم القلعتين بالكامل، ثم يقترب أكثر ليصيب الباقي بأضرار بالغة.

يومها جلست أعد في عقلي الأيام التي سنحتاجها لنصلح ما أفسده المد، ثم قررت إشراكك في العد برفع صوتي، لكنك أسكتني عندما قلت بأنك سترحلين من هنا! لجأتِ للهروب الذي من أجل الفرار منه كان الحلم بالأساس، أهذه هي النهاية التي تليق بما بذلناه؟ لم أجد مفرًا من المحاولة من جديد، لكن وحدي هذه المرة. الموج حطمنا عندما كنا معًا، فكيف يصنع بي وأنا وحدي أمامه؟ توالت الأمواج على مدار العام تدمر كل ما صنعناه سوية، وتدمر ما أحاول البدء فيه قبل أن يعلو الأرض بأكثر من شبرين، ولا تبقي سوى همهمات غريبة أسمعها بين الحين والآخر فأظن أنك قد عدت.


لمتك حين طلبت الهروب، وقلت عنك خائنة. حسنًا، أنا لن أهرب، لكنني لن أبني قلاعًا أخرى. سأترك كل ما كنت أحمله معي من متاع في القلاع الباقية ليأخذها البحر بأمواجه، وأقيم مكان القلعة التي هدمت اليوم، وأراقب الأمواج تقترب. هل ترين فرقًا؟


الخميس، 6 أبريل 2017

تتمة الرسالة السادسة

عزيزي سين،

في كل مرة عقدت فيها العزم على كتابة نص جديد كان السؤال يقفز لذهني، يظهر أمامي بوميض يجيء ويختفي ليضمن إفساد محاولات تجاهله المحتملة. نعم، قد تبدو الكتابة لهواتها نزهة للروح، يمتطون ظهرها كفرسان وتعدو بهم كخيول أصيلة، أو يستحثونها على التحرك كسيارة 128 متهالكة يقودها سبعيني يقاسي آلام الروماتزم، في الحالتين وبغض النظر عن مشقة السفر فهم يسافرون بها بعيدًا. نعم، قد تبدو الكتابة لهواتها جليس وحدة تشعر بها رغم تزاحم الناس من حولك، أو أنس غربة حقيقية لا أحباب لك فيها يحملون عنك، في الموضعين هي رفيق مخلص. نعم، من يكتب يكتب لأسباب عديدة معظمها مبرر ومفهوم (أقول معظمها فقط خوفًا من الجزم بشيء قد لا أكون محيطة به إحاطة يحق لي بسببها الجزم)، لكن ماذا يدفع من يكتب إلى عرض إنتاجه ليقرأه غيره؟ لماذا أرسل إليك -عزيزي سين- ما كتبته رغم أن ما أرجوه من الكتابة ذاتها يتحقق بإنجاز الرسالة لا بقراءتك لها (دعني أفترض أنك تقرأ رسائلي بالفعل)؟ لماذا لا نغلق الأدراج على كتاباتنا، مكتفين بفتح الدرج لإلقاء نظرة بين الحين والآخر؟

رغم ملازمة السؤال لي فترة لا بأس بها، إلا أنني كنت محظوظة كفاية لأجد ثلاثة إجابات دفعة واحدة! وأنا الآن محظوظة كفاية لتطرق الإجابات على رأسي طالبةً الخروج عبر "تكتكة" النقر على مفاتيح حاسبي المحمول، محظوظةً لأنها تطرق ولأنها مستعدة للخروج رغم جلوسي الآن في حافلة غير مريحة، وبرغم حرارة الجو الخانقة (داخل الحافلة فقط، وهذا غريب) والتي تتزامن للمفارقة مع إصابتي بالزكام الذي يصعّب بذل أي مجهود ذهني، وبرغم قلقي بشأن توافر مواصلات تقلني من المحطة القادمة إلى المنزل دون الاضطرار للدخول في صراع غير متكافئ مع رجال أشداء يستطيعون الركض والتزاحم والحصول على كرسي في "ميكروباص" بشكل لا تستطيعه فتاة خائبة مثلي. كم أنا محظوظة!

الأمانة تقتضي أن أخبرك أولاً أنني لم أحصل على الإجابة وحدي. لم تسقط التفاحة على رأسي في لحظة من لحظات التفكير والتأمل لأصرخ بعدها "وجدتها". الإجابات جاءتني على دفعتين بعدما شاركت بسؤالي في تجمع أسبوعي شديد القرب من قلبي، استلمت الدفعة الأولى المكونة من إجابتين قبل أسبوعين، أما الإجابة الأخيرة فجاءت منذ يومين فقط لتتراص بجانب رفيقاتها وتطرق على رأسي الآن معهن.

أما عن الإجابة الأولى، فهي رغم بساطتها شديدة منطقية: هي فتنة الخالق بالمخلوق! هي التي دفعت "بجماليون"، النحات الإغريقي البارع الذي كان يكره النساء ويراهم مصدرًا للمصائب والبلايا كما تقول الأسطورة، والذي قرر نحت تمثال للمرأة الكاملة -كما يراها هو- ليعرف بقية الرجال مدى قصر تفكيرهم وحماقة مساعيهم لكسب قلوب النساء، هذه الفتنة هي ما دفعته في النهاية للإعجاب بمنحوتته حد تضرعه للآلهة لنفخ الروح فيها وتسويتها امرأة حقيقية يعيش معها بقية العمر! عندما يمن الله عليك بكتابة نص يعجبك ويرضي توقعاتك، ستصعب للغاية مقاومة عرضه على صديق ليقرأه، ستجد إبقاءه في الدرج وإخفاءه عن غيرك عملاً يجحف حقك الأصيل في التفاخر بتحفتك الفنية التي أصبحت الآن جزءًا منك وضعت فيه وقتك وفكرك وخلاصة إبداعك!

وقبل أن تجعلك هذه الإجابة يا سين -لسبب أو لآخر- تظن الأمر برمته أنانية بحتة أو عجب بالذات لا أكثر، دعني أبدأ سريعًا بسرد ما تبقى من الإجابات.

عندما طرحت السؤال على الجمع المحبب سابق الذكر، أخذتني إجابة أحدهم لأسطورة نشأة اللغات. تحكي الأسطورة عمن سكن الأرض بعد سنوات عدة من طوفان نوح الذي أغرق كل من لم يركب السفينة، بعد موت الجيل الذي عاصر نوح -عليه السلام- تاركًا وراءه قومًا أضعف إيمانًا، لكنهم يحملون خوفًا من طوفان يمسح من على وجه الأرض مجددًا كل من لا يؤمن بالإله. مَلِكُهم المتجبر منحهم فرصة لحل هذا النزاع: ابنوا برجًا شديد العلو لا يغرقه الطوفان! وقد كان، انهمك الناس في بناء البرج ظاهريًا لطمأنة خوفهم، وإن كان باطنهم يخفي تحديًا لقدرة الله. ثم حدث أن ضربت صاعقةٌ البرج ومن يبنوه، وتحطم كل شيء. ولما أفاق البناؤون وجدوا أن كلًا منهم يتحدث بلسان مختلف، وألا قدرة لأحدهم على فهم الآخر! تخبرنا الحكاية أن العقاب الحقيقي لم يكن هدم البرج، بل حرمان البشر من قدرتهم على التواصل!

نحن نكتب لنتواصل. البشر بحاجة دائمة لمشاركة أفكارهم ومشاعرهم. نحن نكتب لأن الحرمان من قدرتنا على التواصل عقاب شديد الإيلام. نكتب لأننا نريد أن نتواصل ليس مع من نعيش معهم فحسب، ولا حتى مع من نعاصرهم من البشر. نكتب لنوسع هذه الدائرة لتشمل أناسًا لم يأتوا بعد سيقرؤون ما كتبنا يومًا ما. وفي الأخيرة أكثر من مجرد إشباع رغبة التواصل، بل هي محاربة لمحدودية الإنسان وتمرد على حتمية موته وخمود ذكره: سيموت نعم، لكن يمكن لما كتبه أن يعيش قرونًا بعده. نحن نكتب لأننا خلقنا كائنات محدودة بالزمان والمكان اللذان يحدان التأثير بالتبعية، لكننا خلقنا أيضَا نكره هذه الحدود ونبحث عما يوسع محدوديتنا ولو بشكل افتراضي ليشمل ما هو أكبر.

باغتني أحد أفراد الجمع بسؤال: "انتي بتقري لمصطفى إبراهيم؟"، ولما أجبته بالإيجاب أكمل "جربتي تقريله وانتي مكتئبة؟ لو مجربتيش جربي. هتحسي إنه بطريقة ما بيقول بالضبط اللي انتي نفسك تقوليه، وهتحسي إنك مبسوطة لمجرد إنك لقيتي حد بيشاركك حزنك وبيحاول يواسيكي، إحنا بنكتب عشان نواسي بعض!" نحن نكتب لنتواصل!

فارقت الجمع وأنا أشعر أنني وجدت الإجابة أخيرًا، لكن إجابة أخرى كانت تنتظرني!

كان ضيفًا غاليًا على الجمع. تكمن هذه "الغلاوة" بالنسبة لي في الإجابة التي منحني إياها عندما اعتقدت أنا أنني لم أعد بحاجة لها. كان عرضه جميلاً وتنقله بين الأفكار حتى يصل للإجابة في النهاية بديعًا، وأشعر بالأسف لأنني سأقتطع الإجابة وحدها دون سرد ما سبقها ليكلا أطيل عليك -عزيزي سين-: الواقع يجرفنا رغمًا عنا نحو ما يريدنا أن نصل إليه. يسرد لنا الحكاية بزاوية يختارها. يتيح لنا النظر فقط على ما يريد لأعيننا أن تراه. ونحن -أبطال الحكاية- لا سبيل لنا لإدراك إلى أن تتجه بنا حكايتنا طالما لم نخرج منها. نحن أبطال الحكاية بحاجة لما يجعلنا نجرد أنفسنا من حكايتنا، ننظر لها بعين من لا يعيشها، نتأملها كغرباء عنها. عندها سيتضح لنا طريقنا، وستتاح لنا فرصة اختبار ما نعيشه في إطار مرجعياتنا. هذا التجرد هو ما نسعى إليه، وهذا التجرد هو ما تمكننا منه الكتابة! نحن نكتب لنمتكن من فهم حياتنا!

الجمعة، 31 مارس 2017

الرسالة السادسة

عزيزي سين،

هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟

الكتابة عمل شاق. أوقن ذلك لأنني جربته وأعرف ما في الأمر من مشقة. تبدأ المشقة عندما تتخذ قرار الكتابة. اتخاذ القرار وحده يعني اعترافك -ضمنيًا- بأن ما بداخلك قد صار أثقل من أن تحمله وحدك. هذا الاعتراف يجعلك تشعر بثقل حقيقي لم تكن تشعر به قبل دقائق من اتخاذ القرار. الثقل يشمل صعوبة في الحركة والكلام وترتيب الأفكار وممارسة أي نشاط يتضمن الاختلاط بالبشر. لو تمكنت من تحويل قرار الكتابة هذا لمشروع مكتمل، أو لمسودة أولى، أو حتى لأفكار متبلورة يمكنك رصها على الورق عندما يكون ذهنك أكثر صفاءً، لو تمكنت من ذلك فأنت محظوظ، فالثقل لن يستمر طويلاً في تنغيص معيشتك وإظهارك بشكل مأساوي يلفت انتباه من حولك ويدفعهم لطرح أسئلة تبدو لك شديدة الغرابة، كأن يسألك أحدهم عن سبب حزنك بالضبط في أوقات سعادتك البالغة (نعم، فالثقل يشمل أيضًا عجزًا عن التبسم مثلاً أو غيرها من مظاهر السعادة المألوفة)، أو يتطلع إلى وجهك محاولاً تخمين سبب علامات الإعياء التي يراها بادية عليك رغم تمتعك بصحة ممتازة (الثقل يجعل وجهك ذابلاً شاحب اللون، بالضبط كما قد تفعل بوادر الزكام). عندما تنجح في التخلص من ذلك الثقل بمجرد إدراك وجوده ترتاح من كل ذلك العناء. المشكلة الحقيقية تكمن عندما لا تتمكن من إخراج الثقل عبر صرير قلمك (أو عبر "تكتكة" النقر على أزرار لوحة مفاتيح حاسبك المحمول. هذه طقوس تعود للكاتب في المقام الأول ولا توجد قواعد تجزم بأفضلية وسيلة على الأخرى). عندها يتمكن الثقل منك ويحولك لكتلة من البؤس تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وهذه هي لعنة الكتابة.

رغم الصعوبة البالغة المقترنة بالأمر إلا أن حله شديد البساطة: لا تكتب! الخلاص من اللعنة يكمن في البحث عن وسيلة أخرى تنسيك ما أدركته عن الثقل القابع داخلك (هذا إن فشلت في إيجاد طريقة لإخراجه بالفعل من داخلك تريحك من شروره بشكل جذري، عوضًا عن تجاهل وجوده وحسب). لكن يجب أن تعرف أنك لن تعود قادرًا على إخراج ذلك الثقل تحديدًا عن طريق الكتابة في المستقبل القريب على الأقل، فالكتابة عزيزة النفس كمراهقة لا تقبل أن تكون الخيار الثاني لشاب لا يظهر اهتمامًا كافيًا بها (هذا لو لم يكن الشاب وسيمًا كفايةً بالطبع).
...

هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟

"أكتب لأني أحب الكتابة، أقصد أنني أحبها بشكل يجعل سؤال "لماذا" يبدو غريبًا وغير مفهوم." ألا تكفي إجابة رضوى عاشور هذه لتبرير ما يدفعني لتقبل ذلك العناء بل والاستزادة منه؟ شعور غريب من النشوة ينتابني عندما أكتب شيئًا، عندما تأتيني فكرة لأكتب عنها، أو حتى عندما يمر ذكر الكتابة على مسمعي بشكل اعتراضي وسط حديث لا يتعلق بالأصل بها. القدرة التي تضعها الكتابة بين يدي، والتي أجدني بها أصنع أناسًا لا وجود لهم، أكسبهم ملامح وشخصيات بتركيبة أختارها كيف أريد، أحدد بها كيف تشكلهم الحياة وكيف تنحتهم أحداثها، القدرة التي أسمع بها صوتي الذي دائمًا ما يخفت وسط ضجيج المارين لكنه يطل جهورًا في أصوات أبطال حكاياتي، القدرة التي أعرف بها كيف أفكر عندما أرى كيف يفكر الأبطال وكيف يحركون الحكاية لبعد جديد، تجربة امتلاك هذه القدرة تجعلك تستصغر أي عناء قد تصادفه في طريقك لامتلاكها. والنشوة المقترنة بامتلاك هذه القدرة هي ما تجعلني دائمًا أعود مجددًا وأطلب المزيد.  

في غمار حديثي عن النشوة قفز لذهني الآن ذلك الشعور الذي يأبى إلا أن يختلط بالنشوة ويقترن بها كما تلتف الحية بجسدها الملتوي ولسانها المليء بالسم حول كأس الدواء، في صورة مألوفة للغاية ويعرفها الناس رمزًا للصيدلية. لو افترضنا أن نشوة الكاتب بفعل الكتابة تشبه نشوة المدمن مثلاً، فإن ذلك الشعور الذي أتحدث عنه يقابل ما تعرضه الأفلام عن معانة المدمن في حياته التي تدفعه مرارًا للتفكير في الإقلاع نهائيًا عن مجلبات نشوته تلك. أستطيع سماع صوت ذلك الشعور الآن بوضوح (أستطيع تمييزه عن صوت علي الحجار في الخلفية) يطن فوق أذني كذبابة ويخبرني بأن أترك "القرف اللي بكتبه دا". عالقة أنا الآن بين رغبتي في إتمام الرسالة وبين قناعة الطنين تتوغل بالتدريج داخل عقلي وتنتشر كما تنتشر بقعة اللون داخل كأس ماء زجاجية. أعود فأقرأ ما كتبت علّي أحاول حل النزاع الناشب بشكل منطقي. أتمتم بصوت خفيض: جيد، لكنني سأغادر مقعدي وأطفئ حاسبي المحمول وأعود عندما أستطيع كتابة شيء أفضل.
....

أعود للرسالة وأقرأ ما تم إنجازه حتى الآن. هل أستطيع كتابة شيء أفضل؟ هل ما كتبته يحقق ما أحتاجه من النشوة؟
...

هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟

بحثي عن تلك النشوة يجعلني أكتب، لكن هذا يجيب شق السؤال الأول فحسب. حبي للكتابة يبرر قيامي بها، لكنه لا يبرر توجيهها إليك. أعني لو كانت الكتابة ذاتها تجلب النشوة المطلوبة، فلماذا أجعلك تقرأها؟ لماذا لا يحتفظ كل كاتب بما يكتب لنفسه؟

"أحبك تستكين الريح، في قلبي والأماني تصيح، بحبي وأعشق التصريح، ودربي في الضباب مغمور.. أحبك تبتدي البدايات، تاخدي ضحكتك بالذات...." صوت علي الحجار يختلط مع صوت الطنين ومع صوت أفكاري التي كنت أحسبها مرتبة. هل أستطيع كتابة شيء أفضل؟

هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟

"أحبك ضي روحي يبان.. وأعبر ضلمة الحرمان.." لماذا أحس أن الحجار يغني الآن ليرمي إليّ بشيء يخرجني من ورطتي؟ الكتابة عمل شاق، والأفكار تستعصي أحيانًا على صاحبها. ألم أضع تسلسلاً لأفكاري قبل أن أبدأ بالكتابة؟ أين ذهب التسلسل؟ وأين ذهبت الأفكار؟ الكتابة عمل شاق. ها هو الثقل يزحف ليشلني عن إيجاد مخرج، وها هو الطنين يعلو ويملأ رأسي، وها هو النعاس يحاول إغلاق جفناي عنوة، وما زال صوت الحجار يحاول أن يخبرني بشيء لكن أذني لا تلتقطه، وما زلت أتساءل عما إن كنت أستطيع كتابة شيء أفضل..

هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟


أعتقد أنني -مؤخرًا- حصلت على إجابة جيدة، لكني أحتاج مزاجًا جيدًا بالطبع لأستطيع سردها. 

الجمعة، 24 فبراير 2017

الرسالة الخامسة

عزيزتي نور،

بعد عظيم السلام وعطر التحية، أكتب إليك بعدما بلغني من خوفك علي، خوفك الذي رأيته أنا يتجاوز التدليل على محبة يحملها لي قلبك إلى ما بدا عجزًا عن مواجهة الحقيقة التي لم يعد لنا منها مفر: الحياة دائمة التغيير، والإنسان هش كورقة خريف ذابلة، وتمسكه بالثبات يزيد عمره القصير قصرًا، ويفتته كما تتفتت ورقة الخريف بباطن حذاء طفل صغير. لابد من نقطة يكون فيها الانصياع أحد خيارين ثانيهما الموت، وقد بلغت أنا هذه النقطة!

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر منذ آخر مرة جلست معك فيها نتشارك الضحكات والأنين، النكات والمآسي، الحب والخوف. كنت حينها طالبة جامعية عائدة من نيويورك بالولايات المتحدة، حيث النشأة وذكريات الطفولة المبهجة والتي تلتها ذكريات انفصال الوالدين وتشتت الأسرة الأقل بهجة بالطبع. عدت مع والدتي إلى مصر أحمل أملًا لا أجد له الآن مبررًا سوى ضرورة سيكولوجية بحتة، فلا أحد سيطيق حياته عندما يقتنع بأن تغيير الأماكن والأشخاص والثقافة ونمط الحياة لن يغيره هو أو يجعله يرمي الماضي الثقيل خلفه. كلنا نحتاج ذلك الأمل الزائف الذي لا نجد غيره دافعًا لبداية جديدة.

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر منذ أن تحولت من فتاة فرحة بالعودة إلى أخرى ضجرة لا يمنعها من الفرار سوى أنها لا تزال مقيدة في الجامعة. وبين الفتاتين زمان قصير ومسافة شاسعة. لا أذكر الكثير عن الفتاة الأولى، لكني أوقن أن الفتاة الثانية لم تجد في هذا البلد غير بائعين يعاملونها كـ "خواجاية" لا تفقه شيئًا، وعجائز يرون في لسانها الأعجمي غرورًا، وشاب رأى مرة في شعرها الأحمر وقوامها الممشوق وثقافتها الأجنبية جاذبية قد تسمح بقصة حب من فئة الشهور الست على أكثر تقدير. راح الأمل الزائف، ولم تجد الفتاة مهربًا من التعلق بغيره سريعًا: إسبانيا! ألأنها وجدت في القليل الذي قرأته وشاهدته عن هذه البلاد ما يدفعها للاعتقاد بأنها قد وجدت وطنها المنشود؟ أم أنها مجددًا ضرورة سيكولوجية بحتة؟ 

سافرتُ -ظاهريًا- لأكمل الدراسات العليا، وحملتُ سري الصغير معي ولم أفصح به لأحد. كان هذا أول سر أنجح في إخفائه عنك. عندما كنا معًا لم أنجح يومًا في أن أخفِ عنك سرًا دون أن تفضحني عيناي وصوتي ومشيتي ونكاتي أمامك، لكن منذ سافرت وأنا أخفي اللب ولا أظهر لك سوى القشور. تذكرين عندما ودعتني في المطار؟ كنتِ تبكين وكنتُ أحاول طمأنتك، أخبرتك ضاحكة أن ما وفرته لنا التكنولوجيا الحديثة سيجعل أرواحنا دومًا قريبة رغم تباعد الأجساد. مع السر الأول أدركت أنا أنني كنتُ مخطئة. كان سري -الذي أعتزم إفشاءه لك الآن- هو أنني لم أسافر يومًا لدراسة أو لعمل، وإن كانت تلك هي الحجة التي أخبرتُ الكثيرين بها، وإنما سافرت بحثًا عن حياة غير تلك التي أعيشها.

إسبانيا ساحرة الجمال، والأيام فيها تجري سلسة كحبات خرز تنسلتُ من عقد مقطوع. من يعبأ بسرعة مرورها؟ قريبًا أنهي الماجستير وأسجل الدكتوراة وأمد فترة إقامتي هنا أربعة أعوام إضافية. كنتُ أهاتفكِ كل يوم في البداية، بمرور العام الأول انخفض المعدل إلى مرة في الأسبوع. وبعد ستة أعوام اتصلت بك لأخبرك أنني أعيش قصة حب بلغت اليوم عامها الثاني، وأنني سأتزوج! بعد التوبيخ والعتاب وبعد صرخات الضحك وهلوسات الفرح قلتِ ضاحكة: "بقى عايشة في أسبانيا كل دا عشان في الآخر تتجوزي واحد إماراتي يا فقر؟ ما الشقر ماليين البلد عندك". أخبرتك برومانسية مبتذلة أنه أجمل من "الشقر اللي ماليين البلد عندي، أبعت لك صورته؟" فاجأتني أنتِ حينها بصورته ترسلينها إلي وتقولين ضاحكة "لقيت الأكونت بتاعه خلاص، هو أنا هستناكي" رأيتِ استغرابًا يرتسم على ملامحي "المبكسلة" لرداءة الإنترنت عندك فتداركتِ: "حامد الفطيم وإماراتي وبيدرس في أسبانيا، مش كيميا يعني".

ظننا أن ما وفرته لنا التكنولوجيا الحديثة سيجعل أرواحنا دومًا قريبة رغم تباعد الأجساد. لم تجعلني التكنولوجيا أخبرك كيف التقيته للمرة الأولى، وكيف وقعت في غرامه، وكيف عشت عامين من السعادة لم نترك فيهما مكانًا في إسبانيا كلها دون أن نربطه بذكرى نصنعها سويًا. لا يوجد شارع ولا مقهى هناك لم يشهد قصة الحب التي كنت أعتقد أنها فريدة وأنها لن تتكرر، لكني لسبب لا أعرفه لم أشاركها معكِ.

انتقلنا للعيش في الإمارات كما أراد. يوم حزمت أمتعتي لم أشعر بأي حزن لمغادرتي البيت الذي ضمني ستة أعوام كاملة، ولا للشارع الذي طالما شكيت له همومي. في الواقع لم أتذكر ذلك وقتها. شعرت حينها أن إسبانيا كلها تعني لي حامد، وحيثما وجد حامد وجد وطني!

سافرت مجددًا وأنا أتخيل شكل حياتي القادمة. الإمارات ساحرة الجمال، والأيام فيها تجري سلسة كحبات خرز تنسلتُ من عقد مقطوع. من يعبأ بسرعة مرورها؟ أعيش مع من أحب وهذا ما يهمني. لم أكترث كثيرًا لأهله الذين لم يرضهم اختياره ولم تقنعهم جملته التي يكررها بلهجة خليجية: "هي صحيح من لبسها وكلامها يبين عليها أجنبية، بس والله هي مصرية، لا وبعد ست بيت شاطرة وتطبخ ملوخية ما في زيها" لمَ يحاول إقناعهم؟ ألا يكفيه اقتناعه هو؟

مر العام الأول دون حمل، ووالدة زوجي التي لا تطيقني منذ يومي الأول اتخذت ذلك ذريعة لـ "تقطيمي" ليل نهار. لكن حامد لم يعد يدافع عني كما كان يفعل قبلاً، وأنا التي كنت أستغرب محاولات الإقناع هذه أصبحت أفتقدها الآن. هل توقفه عن الدفاع عني وعن اختياره هو يأس من تغيير قناعتهم لا أكثر؟ أم هو تغيير طرأ بالفعل لقناعته هو؟

بعد زيارات عدة للأطباء حملت في نهاية عامنا الثاني، ووضعت الوليد بعد ستة أشهر فحسب. كان هزيلاً للغاية، يرقد في الحضانة طوال اليوم وتتصل بجسمه الضئيل الضعيف أسلاك كثيرة. كنت أتحرق للوقت الذي سأتمكن فيه من ضمه بين ذراعي دون إذن الطبيب، وأحكي له طول اليوم عني وعن أبيه. كنت أراجع في عقلي اللحظة التي عرض فيها والده الزواج بتفاصيلها لأتأكد من أنني سأحكيها له كاملة غير منقوصة: جلسنا يومها على قمة تلة صغيرة، المباني ضئيلة وأنوار الشوارع والعمارات تخفت أمام ضوء البدر ليلة تمامه، والخضرة الممتدة أمام ناظرينا تجعل أنفاسنا عميقة متروية وكأنها -مثلنا- لا تريد للوقت أن يمر. عدل جلسته قليلاً لأصبح أمامه بالضبط، واكتفيت أنا بتوجيه رأسي فحسب. سألني: نتزوج؟ هززت رأسي بالإيجاب في حماس واضح. ضحك قائلاً بلهجته التي بدأت اعتادها: "طب مثلي إنك مستحية طيب" ضحكت بصوت عالٍ، ثم أدرت وجهي للجهة الأخرى. تساءل عما أصابني، "أمثل إني مستحية" أجبتُ ضاحكة محاولة تقليد لكنته.  

مات قبل أن أحكي له شيئًا. كنت قد حضرت اللفة التي سأضعه فيها وأحمله بها إلى مهده الصغير الذي وضعته بجانب سرير غرفتنا، وحضرت ملابسه التي سيرتديها طيلة عامه الأول، وجلبت له ألعابًا لن يستطيع استخدامها إلا بعد مرور شهوره الأولى. رسمت له حياته ورسمت معها حياتي التي سأحياها معه، لكني عدت من المستشفى يومها بلفته خاوية. عندما فاجأتني يومها باتصالكِ كتمت دموعي وأخبرتك أنني بخير حال. وعندما سألتني عن أطفالنا فكرت أن أخبرك بأنني أنجبت "سيف" وأن الطبيب يتوقع قدوم "لما" بعد ثلاثة أشهر بالتمام، لكنني قررت أن أقول بأن حامد لا يحبذ فكرة الإنجاب حاليًا، على الأقل حتى يستقر وضعه في عمله الجديد.

لم أعد أذكر كيف أحببت الإمارات، فتر هذا الحب كما فتر حب حامد وكما فترت حياتي بعدما فقدت وليدي. مر عام ونصف قبل حلول ذلك اليوم، يوم عدنا -أنا وحامد- من زيارة أخرى لطبيب أخبرني أن رحمي لن يتحمل حملاً آخر. طوال طريقنا للبيت لم نتفوه بكلمة. أنتظر هو حتى أغلق باب شقتنا وقال بمنتهى البرود: "أنتي طالق. راح أحجز لك في أقرب طيارة رايحة القاهرة. ضبي أغراضك واستعدي للسفر".

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر قبل أن أعود مجددًا. وبين ثمانية عشر عامًا قضيتها في الولايات المتحدة، وأربعة أخرى في مصر، وستة في إسبانيا، وأربعة أخيرة في الإمارات، بعد كل هذه السنين لا أعرف من أنا ولا إلى أين أنتمي.

أكتب إليك يا عزيزتي نور لأنني شعرت أن خبر الطلاق المفاجئ كثير عليك، أكتب لأشرح لك كل ما حدث وكل ما مهد للنهاية التي عرفتها أنتِ وحدها دون أن تعرفي مقدماتها، لأخبرك أن الطلاق كان نقطة يجب أن نصل إليها، فأنا لم أعد أنتمي له ولا لبلده. لابد من بداية جديدة. لابد من أمل ليس له مبرر سوى ضرورة سيكولوجية بحتة، فأنا لن أطيق حياتي هذه إن اقتنعت بأن تغيير الأماكن والأشخاص والثقافة ونمط الحياة لن يغيرني أو يجعلني أرمي الماضي الثقيل خلفي. أنا الآن بحاجة لذلك الأمل الزائف الذي لا نجد غيره دافعًا لبداية جديدة. أمسكُ بالخريطة وأقلبُ ناظري فيها. لماذا أشيرُ إلى كندا؟ لا أدري، فقط أريد أن أهرب بعيدًا جدًا. تلحُّ عليَّ الآن أغنية فيروز:

"بيتي صغير بكندا.. وحده صوتي والصدى
لا فيه أصحاب ولا جيران، القمر سهران
بفكر فيك وباشتقلك، بحزن وبستفقدلك
على باب بيتي الصغير بكندا
بشعل النار، وبنطر ترجع حبيبي
تبقى حدي وما تتركني غريبة
بيتي الصغير بكندا، ما بدي يزوره حدا
إلا اللي قلبي اختاره.. قاله أسراره
لشو بفتش بها الكون؟ وبعرف السعادة هون.. بها البيت الصغير بكندا.."

لمن كانت هي تغني؟ وهل يمكن أن يكون الوطن شخصًا؟ ولمن أغنيها أنا؟

حبذا لو تمكنت من رؤيتك قبل أن أغادر البلاد مجددًا نهاية هذا الصيف. دمت بخير.

مودتي..


الاثنين، 6 فبراير 2017

الرسالة الرابعة

عزيزي سين،

لعل رسالتي هذه تجدك على ما يتمنى المحب أن يجد عليه محبوبيه. أما أنا فبخير حال والله الحمد. أكتب إليك في هذا الصباح البارد الذي يملأ أفقه الضباب وتعبئ جوه الكآبة لأحكي لك قصته كما أخبرني إياها، فأنا -كما يبدو أنه قد صار واضحًا جليَا- أصبحت أستغل وجودك الذي افترضته أنا منذ ثلاث رسائل لأشبع رغبتي في الحكي وفي الكتابة.

لقد رأيته يومها يبتسم جاهدًا رغم إرهاقه البالغ، حياني وإياهم بحفاوة لا تشعر معها أننا نلتقي للمرة الأولى وأنه لا وجود لسابق معرفة لنا به ولا له بنا. أخبرنا بأن اسمه "خالد"، وتعرف على أسمائنا بعدها. أجلسنا وبدأ يتحدث طويلاً...

لاحقًا، سيخبرنا أنه نادم، سيعترف بأنه قد أفنى سنوات عمره فيما لا يرى هو أنه يستحق، سيسر إلينا بأن جزءًا بالغ الصغر -أو هكذا يرى هو حجمه- في حياته يشعره بشيء من الاعتداد بالذات ويحاول إقناعه بأن لوجوده قيمة، لكن بقية الأجزاء لا تنفك تملأ أذنيه بطنين منفر وتثقل رأسه بأفكار مزعجة: كل هذا هراء، لا تنجرف وراءه! أنهى حديثه بأنه صدقًا لا يتمنى أن يصبح أي منا مثله! هل هناك من يضمن لي -عزيزي سين- أنني لن أعيد كلامه عندما أبلغ عمره؟ كيف أتمكن -قبل أن أبلغ لحظة الاعتراف هذه- من التأكد من أنني سأجد ما يشعرني بأن لوجودي قيمة؟

ولكن ما هي "القيمة"؟ ما الذي يحدد كيف تنظر أنت لنفسك؟ ما هو ذلك المجهول الذي يأتي عندما يأوي المرء إلى مضجعه ويسند رأسه المتعب، يأتي ليسكن ذلك الرأس لمدة قد تطول أو تقصر، تجلب مختارات من أحداث الماضي وتبعاتها في الحاضر ونتائجها المتوقعة في المستقبل، تجعل البعض يبتسم بينما تترك آخرين متعبين، فقط لأنها ذكرتهم بـ "قيمتهم" في وظائفهم وأسرهم وبين أصدقائهم وأحبائهم وفي حياة من حولهم؟

ربما لا يخلو الأمر من شيء من النسبية. ربما ما لا يعني لأحدهم شيئًا يذكر يكون هو تحديدًا ما يمد آخرين بسبب ليستيقظوا سعداء ويستأنفوا أعمالهم التي قد تبدو روتينية مملة. ربما لا تتشارك مصادر هذا الشعور في أي شيء غير قدرتها على جلب ذلك الشعور. ربما تكون الوظيفة مصدرًا يشعر أحدهم بقيمته، في حين قد لا تكون لآخرين غير مصدر للقلق والاكتئاب -بجانب كونها مصدرًا للمال بالطبع-. ربما يقدّر المرء ذاته عندما يبني أسرته الصغيرة، زوجة وأبناء وأحفاد، لكن بالطبع هناك من ينظر في وجه زوجته -وربما أبنائه- فيدير وجهه مسرعًا كي لا ينغمس في أفكارٍ تستنزف رصيد تقديره لذاته وتذكره بأنه لا شيء يستحق هذا العناء. ربما يستمد أحدهم زاد رحلته من تقدير الذات من أصدقاء لا يتوقفون عن إمداده بالمزيد كلما صحبهم، وربما لا يتوقف أصدقاءٌ عن استهلاك مخزون أحدهم باستمرار. ربما يشعر أحدهم بقيمته عندما ينغمس كليةً في عملٍ واحدٍ لا يشغل عقله سواه، يمنحه جل اهتمامه ويحصل على حصته من الاعتداد بالنفس في المقابل، وربما لا يرتاح أحدهم إلا بتحقيق توازن بين كل نواحي حياته يجعله ينعم بقدر لا بأس به من النجاح في كل ما يعيشه عوضًا عن تجميع كل هذا النجاح الموزع بين جوانب كثيرة وصبّه في مكان واحد. ربما يكون المصدر شخصًا أو شيئًا أو فكرة، ربما يكون حقيقيًا أو مجرد وهم. المؤكد أنه موجود، وأن لكل امرئ مصدره الخاص. بينما يبدو أنه ليس من الحتمي أن يعرف الجميع ذلك المصدر، وربما يفني أحدهم حياته باحثًا دون جدوى. ترى هل سأكون منهم؟

في واحدة من محاضرات الفلسفة، تلك التي تمتلئ بالكثير من الأسئلة التي لا إجابة لها، طرح علينا المحاضر سؤالاً: تخيل كتابًا يحوي تفاصيل حياتك منذ ولادتك حتى مماتك، مدون فيه كل خطوة خطوتها وستخطوها، مسجل فيه كل فكرة خطرت ببالك وستخطر، مفصل فيه كل ما فعلت وستفعل، هل يمكن لكتاب كهذا أن يكون موجودًا؟ بعيدًا عن مغزى السؤال -والذي كان يمهد لمحاضرة تناقش مسألة التسيير والتخيير-، لقد كانت أول فكرة تطرأ بذهني هي أنني أود إلقاء نظرة على هذا الكتاب، أريد أن أعرف ما إذا كنت سأعيد كلام "خالد" وكلام كثيرين نادمين قبله وقبلي، أريد أن أعرف ما إذا كنت سأجد ما يشعرني بأن لوجودي قيمة!

كونك شخصية مجهولة -عزيزي سين- يسمح لي أن أتخيل ما يحلو لي من الصفات لأنسبها لك، لكن هل يمكنني أن أتخيل أنه بمقدروك إلقاء نظرة بالنيابة عني على الصفحات التي تخصني في الكتاب؟ ربما يمتعض وجهك الآن -كما امتعضت أنا عندما أعدت قراءة السؤال- لذا دعني أطلب شيئًا أكثر منطقية، هل يمكنني أن أتخيل أنك تستطيع إرشادي لما/لمن يمكنه أن يشعرني بقيمتي، شيئًا أو شخصًا أو فكرة، حقيقةً أو وهمًأ؟ أنا لا أعرفك وبالتالي لا أنتظر منك أن تعرفني كفايةً لتقوم بذلك. حسنٌ. هل يمكنني على الأقل أن أتخيل أنك قد وجدت بالفعل ما يشعرك بقيمتك وأسألك أن ترشدني لأول الطريق نحو إيجاد خاصتي؟ لا أظن ذلك طلبًا صعبًا، سأنتظر منك أن تقوم به لأجلي!  

دمت بخير..


الأربعاء، 25 يناير 2017

الرسالة الثالثة

عزيزي سين..

آمل أن تجدك رسالتي على خير حال. لم أكتب إليك منذ فترة، ترى هل يجعلك هذا أكثر تشوقًا لرسالة اليوم؟ أم يجعلك تشكرني على فترة النقاهة المنقضية، آملاً أن تنتهي هذه الرسالة سريعًا وأن يتبعها فترة صمت مماثلة لسابقتها؟
...

"الأربعاء 25 يناير تحل الذكرى الـ65 على أهم معركة شعبية في تاريخ مصر المعاصر ضد الاحتلال الإنجليزي آنذاك، معركة يطلق عليها أهالي الإسماعيلية معركة الصمود والتحدي، وهي المعركة التي صمدت فيها قوات البوليس المصري ومعهم الفدائيون من أبناء منطقة القناة بأسلحة خفيفة ضد دبابات ومدفعيات الإنجليز بقيادة البرجيدير إكسهام"

ترى هل لديك فكرة يا عزيزي عما يعنيه مصطلح "ذاكرة الشعوب"؟ هل هي ذاكرة قوية لا تترك الماضي بأفراحه وأتراحه للنسيان يطويه ويلقي به بعيدًا، أم هي كذاكرة شيخ عجوز لا تتحمل الكثير من التفاصيل؟ هل هي ذاكرة انتقائية تختار من بين الذكريات ما تراه يستحق المكوث بين ثناياها، ترتب له مكانًا أنيقًا داخل تلافيفها المعقدة، وتوفر له سبل الراحة التي تجعله يفضل الإقامة فيها للأبد، بينما ترسل ذكريات أخرى إلى المحرقة حيث تصير رمادًا مختلف الهيئة غريب الملامح لا يمكن التعرف على أصله بالنظر إليه؟ لو كانت كذلك، فمن يا ترى يختار لها ذكرياتها؟ "ما أرى ذاكرة الشعوب إلا كهذه اللوحات السود التي توضع للطلاب والتلاميذ في غُرفات الدرس وحجراته يثبت عليها هذا الأستاذ ما يمحوه ذاك، وهي قابلة للمحو والإثبات، لا تستبقي شيئاً ولا تمتنع على شيء" هل ترى الأمر كما رآه طه حسين؟
...

"يا شعب يا مصلي قدام العساكر صف
يجري الجريح من ورا لقدام، لا خاف، ولا خف
تدوس عليه العربية تحوله لمية ألف
يا للعجب، يقتلوه ويتوقعوا هربه!
يا للعجب، يقتلوه ويتوقعوا غيابه
اللي اتقتل لسة واقف هو وصحابه
ما بهدل الأمن غير من ماتوا واتصابوا
والصبح ما نوّر، إلا أما الشموس غربوا"

لا يبقى من آثار المهزومين غير الكتابة شعرًا ونثرًا! أما المنتصر فله الشعر والنثر والأغاني والأفلام والمذياع والتلفاز والجريدة والناس والنفوذ والأحلام، والتاريخ! "التاريخ ضمن الغنايم، وبيكتبه الكسبان"!

أتدري ما الجزء الأفضل في كل هذا؟ لكي تحسب مواطنًا صالحًا بمقاييس اليوم، كل ما عليك فعله هو أن تتابع مباراة المنتخب الليلة مبتهلاً بكل صدق أن ينصره الله نصرًا عزيزًا. ربما يكون التعادل كافيًا للتأهل ولكن من الأفضل أن تبتهل بالنصر لإثبات الولاء.


حفظك الله يا عزيزي سين، وأدام عليك نعمة الصحة والعافية، ورزقك قدرة على التغافل تجعلك لا تفكر كثيرًا فيما قد قرأته للتو!



الجمعة، 13 يناير 2017

الرسالة الثانية

عزيزي سين،
..

لعل رسالتي هذه تصلك رافلاً في ثوب الصحة والعافية. أثقلت عليك في رسالتي السابقة ولم أقم حتى بتوديعك في نهايتها، واليوم أعود لأثقل كاهلك مجددًا وكأن الأمر قد راقني. لماذا أنا واثقة لهذا الحد من مقدرتك على احتمالي؟ لا أعرف. لكني سأتبع ذلك الحدس الذي يقول لي بأنك ستتحمل، وبأنك كنت تنتظر هذه الرسالة بقدر ما سأنتظر أنا قراءتك لها، وبأنك ستسعد بقراءتها حتى وإن كانت كئيبة محزنة.

أكتب إليك اليوم لأن قلبي يريد أن يطمئن بعد أن تكاثرت الشكوك وتعاظمت الهواجس، وبدأت أشعر بأن مواجهتها قد لا تنتهي بالنصر كما كان يحدث سابقًا. أكتب إليك لا لأنني أشك بالفعل، أعتقد أن اليقين لا يزال يسكن قلبي وعقلي، ولكن لأشهدك على ما يدور حولي كل يوم، ولأعلمك بأن الطريق قد صارت أصعب مما مضى ولم يعد شقها آمنًا كما كنت أظن، ولأني رأيت أقدام الكثيرين حولي تزل ولست أرى في نفسي الحقيرة ما يعصمها عن الزلل هي الأخرى.

لا أدري كيف بدأ الأمر، ربما بكلمات من اللواتي تخجل أن تعترض عليها أو حتى أن تبدي عدم ارتياح في حضورها خشية أن يساء فهمك، ربما بفكرة بينة الخبث عفنة الرائحة تجزأت لأفكار أصغر واندست بقلب أخريات حسان لتدخل العقل متنكرة في ثوب غير ثوبها، لابد أن ثمة طريقة ما شديدة الدهاء بالغة المكر أدت لهذا الوضع الغريب!

لقد اتسعت دائرة حرية الفكر والتعبير وضرورة تقبل الآخر لتشمل أحداثًا لم تكن تشملها قبلاً، ولتشجع أفراد المجتمع على فضح المعاصي والآثام التي ارتكبوها متفاخرين متباهين، ولتجبر بقية المجتمع على المباركة والاحتفاء بهذه النماذج تحت مظلة الانفتاح والتحضر، ولتنعت بالتخلف والرجعية من يرفض ويستنكر، أو حتى من يلتزم جانب الصمت. اتسعت الدائرة وتجرأت بما يكفي لتعتبر أن من حقها رفض المرجعيات كلها، وتحقير المسلمات جميعها، وهدم مفهوم الثوابت جملة وتفصيلاً، وعدم السماح بالاحتكام لغير العقل، شرط أن يكون العقل خاويًا من احترام أي عقيدة. هل تتصور أنه -في هذا الزمن الأغبر الذي نعيشه- لا يحق لك أن ترفض سلوكًا أو تنقد فعلاً لمجرد أنك تعتقد أنه متنافٍ مع تعالم دينك؟ هل تعلم أن أي دور تعطيه للدين في حياتك -باستثناء صلاة تؤديها في السر، أو قطعة قماش حول رأس الفتاة في بعض الأحايين- قد يوقعك في قائمة من المتاعب، أبسطها أن يتم تحقيرك؟

لطالما كنت مؤمنة وبواجب المجتمع نحو أفراده، والذي يتضمن -ضمن قائمة طويلة- توفير مناخ يسهل الطاعة ويحببها إلى قلوب العباد ويصعب المعصية وينفر الاقتراب منها. ومن ضمن الوسائل التي تحقق هذا الهدف هي تحريم المجاهرة بالمعصية، لأنها بالنسبة لمرتكبها تزيل من نفسه بقايا الندم والتأنيب وتؤكد العودة مرارًا دون توبة، ولأنها بالنسبة للمعافى من الذنب تشكل تهديدًا، فرؤية المرء لمن حوله يرتكبون المعاصي ليل نهار يقلل رهبتها في نفسه ويسهل عليه ارتكابها. وهذه المجاهرة التي تسهل ارتكاب الذنوب لكلا الطرفين كفيلة بإنتاج مجتمع تتفشى فيه الفواحش بأنواعها دون رادع. هل ترى -مثلي- يا سين أنها حجة منطقية ولها مبرراتها المقنعة التي تستند إليها؟ إن كانت إجابتك نعم، فلماذا إذاً أسمع دعاة التحضر يردون: "كلٌ له عقل يمكنه من التمييز بين الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن نخفي المعصية أو نحقرها لنمنع ارتكابها"، "من يريد المعصية يسعى إليها، لا علاقة بالمجاهرين بهذا"، "لكي يكون اليقين راسخًا لابد للمرء أن يترك المعصية وهو يعلم كيف السبيل لارتكابها، غير ذلك يقين زائف يسقط في أول اختبار حقيقي". ماذا بالله في هذا يتعارض مع رفض المجاهرة؟ ماذا يضير العقل المميز للصواب والخطأ تحقير المعصية؟ وهل كل أفعال المرء تعبر بالضرورة عما يعتقده العقل؟ أليس هناك من يقع في ذنب رغم اقتناعه بأنه ذنب؟ ماذا أفاد العقل هنا عندما كانت الجوارح مقبلة على الفعل، ولماذا لم يصدها العقل الحكيم الراشد؟ هل تعرف يا عزيزي سين بأن مجرد كتابتي للسطور السالفة قد جعلتني ضمنيًا ضمن عداد الحمقى أعداء تقدم الإنسانية وازدهارها؟

نعيش يا عزيزي سين في بلاد تثقلنا بالامتحانات كل يوم، لا ينجح الجميع بالطبع، كل يوم يسقط الكثير. لست أملك تحت أي وجه من الأوجه لوم أحد، ولا أدعي الأفضلية وأنا لا أكف عن ارتكاب الذنوب صباح مساء. لكن ألا تعتقد أن ما بين ارتكاب الذنب معظمًا ومهولاً وبين ارتكابه متباهيًا مفاخرًا حاجز لا ينبغي كسره؟ ألا تظن إنكار نظرة الدين وإهمال رأيه حدث جلل يتطلب وقفة؟ ألا ترى أن تناول الأمر من جانب (الحرية الفكرية، الطبيعة الإنسانية، الحتمية البيولوجية، الصدَفة الحلزونية، إلخ) قد صار مملاً، بل وأصبح يهمل قدسية العقل المزعومة في بعض الأحيان؟

"يأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر" كل ما أرجوه صدقًا أن يكون زماننا هو الزمان المقصود، لأنني لا أتخيل أن الأمور قد تزداد سوءًا، أو أن الامتحانات ستزداد صعوبة. لا أعلم حينها كيف سأصمد! هذا إن جاز اعتبار ما أنا عليه الآن صمودًا!

أكتب إليك عزيزي سين لأن حدسي الذي جعلني أتوقع انتظارك لهذه الرسالة يجعلني أتوقع منك المساندة، فأنا -بين الحين والآخر- أشعر بأني محتاجة لمن يشاركني الرأي لأزداد قوة، فأنا -ككل البشر- أنبهر بكثرة المنتمين للطرف الآخر صاحب الشعارات الرنانة والكلمات المعسولة والوعود المغرية بعالم يقبل الجميع ولا يلفظ أحدًا من جنته.

حفظك الله -يا عزيزي- من الفتن، وحماك من مصائب الدين والدنيا. ودمت سالمًا..