الأحد، 17 ديسمبر 2017

الرسالة الثامنة

عزيزتي الآتية من المستقبل
هل من إشارة تخبرينني بها إلى أين يجب أن أتجه؟ طريقان يكسوهما الضباب فلا أميز معالمها، لكني أَجِد قدمي تسير من تلقاء نفسها انطلاقا من حيث وُضِعَت على ناصية أحد الطريقين ذات مرة. هل من إشارة تخبرينني بها أن أكمل؟ أن أعود أدراجي وأسلك الطريق الآخر؟ أو حتى أن أنتظر مكاني لأن الضباب سينحسر قريبا، فأختبر بعيني وعورة الطريقين وطوليهما ونهايتيهما؟
العصافير خلقت بأجنحة لأنها خلقت لتطير، دائما ما تقولين ذلك، لكن كيف السبيل للاستئناس بتغريدها العذب وهي بعيدة بعد السماء، تطير بسرعة الريح، وتقطع الجبال والوديان والسهول والبحار بيسر لم يمنح لقدمي العاجزة؟ عصفوري لا يزال في القفص، صحيح أنه لا يغرد كلما طلبت منه ذلك، لكنه لا يزال يغرد بين حين وآخر، حين يستجيب لمطلبي يتحفني بلحن لا تمل أذناي منه، فأشعر حينها برغبة بفتح قفصه وإطلاقه والانطلاق وراءه، ليدوم تغريده طوال العمر وتدوم نشوتي معه. أفيق من أحلام اليقظة فأجده ينظر إليّ وكأنما أدرك أن الحلم يداعبني، فأشيح بوجهي عنه منهية حلمي وحلمه، فيكتسي تغريده حزنًا وسوادًا -يكاد يكون مرئيًا- ويخفت تدريجيًا.
اليوم كان شاقًا. على الجدول عمل كثير، والوقت لا يتمهل، ورب العمل لا يتوانى عن استغلال كل فرصة سانحة ليعيب العاملين وما يعملوه. وصلت فيما بدا لي مبكرًا، فهدأ توتري قليلاً؛ بوسعي إنجاز بعض الأعمال بهدوء، فأكسب تقليص قائمة مهامي دون أن يقف أحدهم فوق رأسي يستعجلني بطنين مزعج، ودون أن تشتت تركيزي وترهق أعصابي همهمات زملائي الضجرة وأحاديثهم اليائسة، وبعد كل هذا أنال استحسان المدير -لست متأكدة من وجود احتمالية لحدوث هذا، لا أعني معي، بل أعني أن ينال أي أحد استحسانه في أي موقف عابر ولو مرة واحدة- الذي سيجدني أسبق الباقين بفارق وإن كان بسيطًا. تشغله المقارنات كثيرًا. يهوى استخدامها بيننا، للتحفيز كما يقولون، أو للإحباط كما يفعل هو. وإن كانت هوايته محاربتنا بهذا السلاح، فاليوم فرصة لإبعاد سلاحه عن رقبتي. استغرقتني الخطط والأماني ففوجئت به يقف على الباب، يقلب المكان بناظريه فيستاء عندما لا يرى أحدًا، ثم يتوجه إليّ ويسأل باستفاضة عما تم وعما تبقى. كان وحشَا ضاريًا وكنت فريسته الضعيفة الوحيدة التي لم يجد غيرها ليسد جوعه. تظاهرت بعدم الاكتراث لتأنيبه وحافظت على ابتسامتي بجهد بالغ وأنا أوافقه الرأي في كل كلمة يقولها، حتى في سؤال مثل: "لم لا أراكِ هنا؟" يريد التلميح لغيابي وأنا لم أغب قبلاً، "لا أقصد حضورك جسديًا، فليس هذا صعبًا على أي أحد، قصدت حضور ذهنك وبديهتك وتواجد روحك أثناء العمل، وهذا غائب دائمًا! سألتك عن تفاصيل دقيقة لكنها شديدة الأهمية فيما كلفت به، ومع ذلك فأنت تراجعين أوراقك الآن أمامي قبل الإجابة. أليس هذا غيابًا للذهن؟ عندما تكون روحك في هذا المكان ستجدين كل الإجابات متراصة في عقلك تتدافع وراء بعضها لتجيب السؤال قبل طرحه."
بعد كل هذا جاء أحدهم أخيرًا، ويبدو أن المدير كان يبحث عنه في الأساس، لأنه تركني دون إكمال ما كان يقوله وتوجه ناحية زميلي مسرعًا. تمنيت لو بكر في مجيئه قليلاً! جلست إلى مكتبي ورحت أراجع ما نبهني له قبل البدء في مهامٍ جديدة أضافها للقائمة المعدة سابقًا.
بعد وقت طويل أنجز فيه القليل بمشقة، أتت تلك الساعة. حملت أغراضي وتعبي وضيقي معي وتوجهت لحيث ما قرروه مكانا لإقامة ورشة الكتابة، فلم أَجِد غيري. هاتفت منظم الورشة، فأخبرني أنه لم يتذكر موعد اليوم إلا من نصف ساعة، وأمامه الآن ربع ساعة ليصل للمكان. انتظرته بصبر بينما أفكر فيما يمكن أن أكتب اليوم. جاء فبدأنا، ولم يتوقف قلمي عن الحركة إما كتابة أو شطبًا لبعض ما كتب. وما حدث قبل موعد الكتابة كان له نصيب فيما كنت أكتبه ولو بشكل غير مباشر، فقد وجدت سخطي من المدير يتجسد في شخصية شريرة لقصة على الورق، وفوجئت بضيقي يدفعني نحو كتابة المزيد. مر الوقت سريعًا، نظرت لما كتب فوجدته قدرٌ لا بأس به، مسودة أولى تبدو جيدة، والأهم أن محور القصة قد تبلور تمامًا في ذهني، وإن لم يتضح ذلك على الورقة بعد. ابتسمت. قرأنا ما كتبناه، وسعد كلانا بما كتب وما سمع. ودعت منظم الورشة ممتنة وأنا أود لو أن العمر يتوقف عند تلك اللحظة فتمتد بلا بداية أذكرها ولا نهاية أراها أو أترقبها، لحظة سرمدية لا يشوبها حزن على ماضٍ أو خوف من آتٍ.

العصافير خلقت بأجنحة لأنها خلقت لتطير، لكن هل يتوجب دائمًا إطلاقها؟ شغلني السؤال وأنا أعود أدراجي لأداء ما تبقى من عمل. والحقيقة أنه دائمًا ما يشغلني - السؤال لا العمل، فأنا غائبة الذهن والروح! -. الكتابة عمل مجهد، وأخشى أن قدمي لا تقدر على مواصلة الركض وراء الكلمة والمعنى، لكنها تسعدني رغم مشقتها. أتأمل ما أكتبه فنادرًا ما يتملكني شعورٌ بالعجب، وكثيرًا ما أرغب في حذف ما كتبته قبل أن يطلع مخلوق آخر عليه، وأتساءل أهي الإشارة التي أطلبها منك الآن، أم أن ما تزيحه الكتابة من هموم متراكمة طوال اليوم هي الإشارة المرتقبة؟ وهل يجدر بالتغريد أن يملأ حياتنا، فتصبح ملاحقته واتباعه الشغل الشاغل، أم يجدر به البقاء في ركن نلجأ إليه عندما نتعب من الركض وراء أشياء أخرى، فتأنس به الروح وتقوى على مواصلة الركض؟ وهل عندما نقرر إطلاق عصافيرنا والركض وراءها سيبقى في العمر متسع تغصي فيه آذاننا للتغريد، أم سيبقى صوت لهاث ركضنا طاغيًا عليها؟ هل من إشارة -يا عزيزتي- تخرجيني بها من حيرتي، وتهديني أول خيط الإجابة عن أسئلتي، وتخبرينني إلى أين يجب أن أتجه؟ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق