الجمعة، 24 فبراير 2017

الرسالة الخامسة

عزيزتي نور،

بعد عظيم السلام وعطر التحية، أكتب إليك بعدما بلغني من خوفك علي، خوفك الذي رأيته أنا يتجاوز التدليل على محبة يحملها لي قلبك إلى ما بدا عجزًا عن مواجهة الحقيقة التي لم يعد لنا منها مفر: الحياة دائمة التغيير، والإنسان هش كورقة خريف ذابلة، وتمسكه بالثبات يزيد عمره القصير قصرًا، ويفتته كما تتفتت ورقة الخريف بباطن حذاء طفل صغير. لابد من نقطة يكون فيها الانصياع أحد خيارين ثانيهما الموت، وقد بلغت أنا هذه النقطة!

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر منذ آخر مرة جلست معك فيها نتشارك الضحكات والأنين، النكات والمآسي، الحب والخوف. كنت حينها طالبة جامعية عائدة من نيويورك بالولايات المتحدة، حيث النشأة وذكريات الطفولة المبهجة والتي تلتها ذكريات انفصال الوالدين وتشتت الأسرة الأقل بهجة بالطبع. عدت مع والدتي إلى مصر أحمل أملًا لا أجد له الآن مبررًا سوى ضرورة سيكولوجية بحتة، فلا أحد سيطيق حياته عندما يقتنع بأن تغيير الأماكن والأشخاص والثقافة ونمط الحياة لن يغيره هو أو يجعله يرمي الماضي الثقيل خلفه. كلنا نحتاج ذلك الأمل الزائف الذي لا نجد غيره دافعًا لبداية جديدة.

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر منذ أن تحولت من فتاة فرحة بالعودة إلى أخرى ضجرة لا يمنعها من الفرار سوى أنها لا تزال مقيدة في الجامعة. وبين الفتاتين زمان قصير ومسافة شاسعة. لا أذكر الكثير عن الفتاة الأولى، لكني أوقن أن الفتاة الثانية لم تجد في هذا البلد غير بائعين يعاملونها كـ "خواجاية" لا تفقه شيئًا، وعجائز يرون في لسانها الأعجمي غرورًا، وشاب رأى مرة في شعرها الأحمر وقوامها الممشوق وثقافتها الأجنبية جاذبية قد تسمح بقصة حب من فئة الشهور الست على أكثر تقدير. راح الأمل الزائف، ولم تجد الفتاة مهربًا من التعلق بغيره سريعًا: إسبانيا! ألأنها وجدت في القليل الذي قرأته وشاهدته عن هذه البلاد ما يدفعها للاعتقاد بأنها قد وجدت وطنها المنشود؟ أم أنها مجددًا ضرورة سيكولوجية بحتة؟ 

سافرتُ -ظاهريًا- لأكمل الدراسات العليا، وحملتُ سري الصغير معي ولم أفصح به لأحد. كان هذا أول سر أنجح في إخفائه عنك. عندما كنا معًا لم أنجح يومًا في أن أخفِ عنك سرًا دون أن تفضحني عيناي وصوتي ومشيتي ونكاتي أمامك، لكن منذ سافرت وأنا أخفي اللب ولا أظهر لك سوى القشور. تذكرين عندما ودعتني في المطار؟ كنتِ تبكين وكنتُ أحاول طمأنتك، أخبرتك ضاحكة أن ما وفرته لنا التكنولوجيا الحديثة سيجعل أرواحنا دومًا قريبة رغم تباعد الأجساد. مع السر الأول أدركت أنا أنني كنتُ مخطئة. كان سري -الذي أعتزم إفشاءه لك الآن- هو أنني لم أسافر يومًا لدراسة أو لعمل، وإن كانت تلك هي الحجة التي أخبرتُ الكثيرين بها، وإنما سافرت بحثًا عن حياة غير تلك التي أعيشها.

إسبانيا ساحرة الجمال، والأيام فيها تجري سلسة كحبات خرز تنسلتُ من عقد مقطوع. من يعبأ بسرعة مرورها؟ قريبًا أنهي الماجستير وأسجل الدكتوراة وأمد فترة إقامتي هنا أربعة أعوام إضافية. كنتُ أهاتفكِ كل يوم في البداية، بمرور العام الأول انخفض المعدل إلى مرة في الأسبوع. وبعد ستة أعوام اتصلت بك لأخبرك أنني أعيش قصة حب بلغت اليوم عامها الثاني، وأنني سأتزوج! بعد التوبيخ والعتاب وبعد صرخات الضحك وهلوسات الفرح قلتِ ضاحكة: "بقى عايشة في أسبانيا كل دا عشان في الآخر تتجوزي واحد إماراتي يا فقر؟ ما الشقر ماليين البلد عندك". أخبرتك برومانسية مبتذلة أنه أجمل من "الشقر اللي ماليين البلد عندي، أبعت لك صورته؟" فاجأتني أنتِ حينها بصورته ترسلينها إلي وتقولين ضاحكة "لقيت الأكونت بتاعه خلاص، هو أنا هستناكي" رأيتِ استغرابًا يرتسم على ملامحي "المبكسلة" لرداءة الإنترنت عندك فتداركتِ: "حامد الفطيم وإماراتي وبيدرس في أسبانيا، مش كيميا يعني".

ظننا أن ما وفرته لنا التكنولوجيا الحديثة سيجعل أرواحنا دومًا قريبة رغم تباعد الأجساد. لم تجعلني التكنولوجيا أخبرك كيف التقيته للمرة الأولى، وكيف وقعت في غرامه، وكيف عشت عامين من السعادة لم نترك فيهما مكانًا في إسبانيا كلها دون أن نربطه بذكرى نصنعها سويًا. لا يوجد شارع ولا مقهى هناك لم يشهد قصة الحب التي كنت أعتقد أنها فريدة وأنها لن تتكرر، لكني لسبب لا أعرفه لم أشاركها معكِ.

انتقلنا للعيش في الإمارات كما أراد. يوم حزمت أمتعتي لم أشعر بأي حزن لمغادرتي البيت الذي ضمني ستة أعوام كاملة، ولا للشارع الذي طالما شكيت له همومي. في الواقع لم أتذكر ذلك وقتها. شعرت حينها أن إسبانيا كلها تعني لي حامد، وحيثما وجد حامد وجد وطني!

سافرت مجددًا وأنا أتخيل شكل حياتي القادمة. الإمارات ساحرة الجمال، والأيام فيها تجري سلسة كحبات خرز تنسلتُ من عقد مقطوع. من يعبأ بسرعة مرورها؟ أعيش مع من أحب وهذا ما يهمني. لم أكترث كثيرًا لأهله الذين لم يرضهم اختياره ولم تقنعهم جملته التي يكررها بلهجة خليجية: "هي صحيح من لبسها وكلامها يبين عليها أجنبية، بس والله هي مصرية، لا وبعد ست بيت شاطرة وتطبخ ملوخية ما في زيها" لمَ يحاول إقناعهم؟ ألا يكفيه اقتناعه هو؟

مر العام الأول دون حمل، ووالدة زوجي التي لا تطيقني منذ يومي الأول اتخذت ذلك ذريعة لـ "تقطيمي" ليل نهار. لكن حامد لم يعد يدافع عني كما كان يفعل قبلاً، وأنا التي كنت أستغرب محاولات الإقناع هذه أصبحت أفتقدها الآن. هل توقفه عن الدفاع عني وعن اختياره هو يأس من تغيير قناعتهم لا أكثر؟ أم هو تغيير طرأ بالفعل لقناعته هو؟

بعد زيارات عدة للأطباء حملت في نهاية عامنا الثاني، ووضعت الوليد بعد ستة أشهر فحسب. كان هزيلاً للغاية، يرقد في الحضانة طوال اليوم وتتصل بجسمه الضئيل الضعيف أسلاك كثيرة. كنت أتحرق للوقت الذي سأتمكن فيه من ضمه بين ذراعي دون إذن الطبيب، وأحكي له طول اليوم عني وعن أبيه. كنت أراجع في عقلي اللحظة التي عرض فيها والده الزواج بتفاصيلها لأتأكد من أنني سأحكيها له كاملة غير منقوصة: جلسنا يومها على قمة تلة صغيرة، المباني ضئيلة وأنوار الشوارع والعمارات تخفت أمام ضوء البدر ليلة تمامه، والخضرة الممتدة أمام ناظرينا تجعل أنفاسنا عميقة متروية وكأنها -مثلنا- لا تريد للوقت أن يمر. عدل جلسته قليلاً لأصبح أمامه بالضبط، واكتفيت أنا بتوجيه رأسي فحسب. سألني: نتزوج؟ هززت رأسي بالإيجاب في حماس واضح. ضحك قائلاً بلهجته التي بدأت اعتادها: "طب مثلي إنك مستحية طيب" ضحكت بصوت عالٍ، ثم أدرت وجهي للجهة الأخرى. تساءل عما أصابني، "أمثل إني مستحية" أجبتُ ضاحكة محاولة تقليد لكنته.  

مات قبل أن أحكي له شيئًا. كنت قد حضرت اللفة التي سأضعه فيها وأحمله بها إلى مهده الصغير الذي وضعته بجانب سرير غرفتنا، وحضرت ملابسه التي سيرتديها طيلة عامه الأول، وجلبت له ألعابًا لن يستطيع استخدامها إلا بعد مرور شهوره الأولى. رسمت له حياته ورسمت معها حياتي التي سأحياها معه، لكني عدت من المستشفى يومها بلفته خاوية. عندما فاجأتني يومها باتصالكِ كتمت دموعي وأخبرتك أنني بخير حال. وعندما سألتني عن أطفالنا فكرت أن أخبرك بأنني أنجبت "سيف" وأن الطبيب يتوقع قدوم "لما" بعد ثلاثة أشهر بالتمام، لكنني قررت أن أقول بأن حامد لا يحبذ فكرة الإنجاب حاليًا، على الأقل حتى يستقر وضعه في عمله الجديد.

لم أعد أذكر كيف أحببت الإمارات، فتر هذا الحب كما فتر حب حامد وكما فترت حياتي بعدما فقدت وليدي. مر عام ونصف قبل حلول ذلك اليوم، يوم عدنا -أنا وحامد- من زيارة أخرى لطبيب أخبرني أن رحمي لن يتحمل حملاً آخر. طوال طريقنا للبيت لم نتفوه بكلمة. أنتظر هو حتى أغلق باب شقتنا وقال بمنتهى البرود: "أنتي طالق. راح أحجز لك في أقرب طيارة رايحة القاهرة. ضبي أغراضك واستعدي للسفر".

عقد من الزمان مر منذ مغادرتي مصر. عقد من الزمان مر قبل أن أعود مجددًا. وبين ثمانية عشر عامًا قضيتها في الولايات المتحدة، وأربعة أخرى في مصر، وستة في إسبانيا، وأربعة أخيرة في الإمارات، بعد كل هذه السنين لا أعرف من أنا ولا إلى أين أنتمي.

أكتب إليك يا عزيزتي نور لأنني شعرت أن خبر الطلاق المفاجئ كثير عليك، أكتب لأشرح لك كل ما حدث وكل ما مهد للنهاية التي عرفتها أنتِ وحدها دون أن تعرفي مقدماتها، لأخبرك أن الطلاق كان نقطة يجب أن نصل إليها، فأنا لم أعد أنتمي له ولا لبلده. لابد من بداية جديدة. لابد من أمل ليس له مبرر سوى ضرورة سيكولوجية بحتة، فأنا لن أطيق حياتي هذه إن اقتنعت بأن تغيير الأماكن والأشخاص والثقافة ونمط الحياة لن يغيرني أو يجعلني أرمي الماضي الثقيل خلفي. أنا الآن بحاجة لذلك الأمل الزائف الذي لا نجد غيره دافعًا لبداية جديدة. أمسكُ بالخريطة وأقلبُ ناظري فيها. لماذا أشيرُ إلى كندا؟ لا أدري، فقط أريد أن أهرب بعيدًا جدًا. تلحُّ عليَّ الآن أغنية فيروز:

"بيتي صغير بكندا.. وحده صوتي والصدى
لا فيه أصحاب ولا جيران، القمر سهران
بفكر فيك وباشتقلك، بحزن وبستفقدلك
على باب بيتي الصغير بكندا
بشعل النار، وبنطر ترجع حبيبي
تبقى حدي وما تتركني غريبة
بيتي الصغير بكندا، ما بدي يزوره حدا
إلا اللي قلبي اختاره.. قاله أسراره
لشو بفتش بها الكون؟ وبعرف السعادة هون.. بها البيت الصغير بكندا.."

لمن كانت هي تغني؟ وهل يمكن أن يكون الوطن شخصًا؟ ولمن أغنيها أنا؟

حبذا لو تمكنت من رؤيتك قبل أن أغادر البلاد مجددًا نهاية هذا الصيف. دمت بخير.

مودتي..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق