عزيزي سين،
لعل رسالتي هذه تجدك على ما يتمنى المحب أن يجد عليه محبوبيه. أما أنا
فبخير حال والله الحمد. أكتب إليك في هذا الصباح البارد الذي يملأ أفقه الضباب
وتعبئ جوه الكآبة لأحكي لك قصته كما أخبرني إياها، فأنا -كما يبدو أنه قد صار
واضحًا جليَا- أصبحت أستغل وجودك الذي افترضته أنا منذ ثلاث رسائل لأشبع رغبتي في
الحكي وفي الكتابة.
لقد رأيته يومها يبتسم جاهدًا رغم إرهاقه البالغ، حياني وإياهم بحفاوة
لا تشعر معها أننا نلتقي للمرة الأولى وأنه لا وجود لسابق معرفة لنا به ولا له
بنا. أخبرنا بأن اسمه "خالد"، وتعرف على أسمائنا بعدها. أجلسنا وبدأ
يتحدث طويلاً...
لاحقًا، سيخبرنا أنه نادم، سيعترف بأنه قد أفنى سنوات عمره فيما لا
يرى هو أنه يستحق، سيسر إلينا بأن جزءًا بالغ الصغر -أو هكذا يرى هو حجمه- في
حياته يشعره بشيء من الاعتداد بالذات ويحاول إقناعه بأن لوجوده قيمة، لكن بقية
الأجزاء لا تنفك تملأ أذنيه بطنين منفر وتثقل رأسه بأفكار مزعجة: كل هذا هراء، لا
تنجرف وراءه! أنهى حديثه بأنه صدقًا لا يتمنى أن يصبح أي منا مثله! هل هناك من
يضمن لي -عزيزي سين- أنني لن أعيد كلامه عندما أبلغ عمره؟ كيف أتمكن -قبل أن أبلغ
لحظة الاعتراف هذه- من التأكد من أنني سأجد ما يشعرني بأن لوجودي قيمة؟
ولكن ما هي "القيمة"؟ ما الذي يحدد كيف تنظر أنت لنفسك؟ ما
هو ذلك المجهول الذي يأتي عندما يأوي المرء إلى مضجعه ويسند رأسه المتعب، يأتي
ليسكن ذلك الرأس لمدة قد تطول أو تقصر، تجلب مختارات من أحداث الماضي وتبعاتها في
الحاضر ونتائجها المتوقعة في المستقبل، تجعل البعض يبتسم بينما تترك آخرين متعبين،
فقط لأنها ذكرتهم بـ "قيمتهم" في وظائفهم وأسرهم وبين أصدقائهم وأحبائهم
وفي حياة من حولهم؟
ربما لا يخلو الأمر من شيء من النسبية. ربما ما لا يعني لأحدهم شيئًا
يذكر يكون هو تحديدًا ما يمد آخرين بسبب ليستيقظوا سعداء ويستأنفوا أعمالهم التي قد
تبدو روتينية مملة. ربما لا تتشارك مصادر هذا الشعور في أي شيء غير قدرتها على جلب
ذلك الشعور. ربما تكون الوظيفة مصدرًا يشعر أحدهم بقيمته، في حين قد لا تكون
لآخرين غير مصدر للقلق والاكتئاب -بجانب كونها مصدرًا للمال بالطبع-. ربما يقدّر
المرء ذاته عندما يبني أسرته الصغيرة، زوجة وأبناء وأحفاد، لكن بالطبع هناك من
ينظر في وجه زوجته -وربما أبنائه- فيدير وجهه مسرعًا كي لا ينغمس في أفكارٍ تستنزف
رصيد تقديره لذاته وتذكره بأنه لا شيء يستحق هذا العناء. ربما يستمد أحدهم زاد
رحلته من تقدير الذات من أصدقاء لا يتوقفون عن إمداده بالمزيد كلما صحبهم، وربما
لا يتوقف أصدقاءٌ عن استهلاك مخزون أحدهم باستمرار. ربما يشعر أحدهم بقيمته عندما
ينغمس كليةً في عملٍ واحدٍ لا يشغل عقله سواه، يمنحه جل اهتمامه ويحصل على حصته من
الاعتداد بالنفس في المقابل، وربما لا يرتاح أحدهم إلا بتحقيق توازن بين كل نواحي
حياته يجعله ينعم بقدر لا بأس به من النجاح في كل ما يعيشه عوضًا عن تجميع كل هذا
النجاح الموزع بين جوانب كثيرة وصبّه في مكان واحد. ربما يكون المصدر شخصًا أو شيئًا
أو فكرة، ربما يكون حقيقيًا أو مجرد وهم. المؤكد أنه موجود، وأن لكل امرئ مصدره
الخاص. بينما يبدو أنه ليس من الحتمي أن يعرف الجميع ذلك المصدر، وربما يفني أحدهم
حياته باحثًا دون جدوى. ترى هل سأكون منهم؟
في واحدة من محاضرات الفلسفة، تلك التي تمتلئ بالكثير من الأسئلة التي
لا إجابة لها، طرح علينا المحاضر سؤالاً: تخيل كتابًا يحوي تفاصيل حياتك منذ
ولادتك حتى مماتك، مدون فيه كل خطوة خطوتها وستخطوها، مسجل فيه كل فكرة خطرت ببالك
وستخطر، مفصل فيه كل ما فعلت وستفعل، هل يمكن لكتاب كهذا أن يكون موجودًا؟ بعيدًا
عن مغزى السؤال -والذي كان يمهد لمحاضرة تناقش مسألة التسيير والتخيير-، لقد كانت
أول فكرة تطرأ بذهني هي أنني أود إلقاء نظرة على هذا الكتاب، أريد أن أعرف ما إذا كنت
سأعيد كلام "خالد" وكلام كثيرين نادمين قبله وقبلي، أريد أن أعرف ما إذا
كنت سأجد ما يشعرني بأن لوجودي قيمة!
كونك شخصية مجهولة -عزيزي سين- يسمح لي أن أتخيل ما يحلو لي من الصفات
لأنسبها لك، لكن هل يمكنني أن أتخيل أنه بمقدروك إلقاء نظرة بالنيابة عني على
الصفحات التي تخصني في الكتاب؟ ربما يمتعض وجهك الآن -كما امتعضت أنا عندما أعدت
قراءة السؤال- لذا دعني أطلب شيئًا أكثر منطقية، هل يمكنني أن أتخيل أنك تستطيع
إرشادي لما/لمن يمكنه أن يشعرني بقيمتي، شيئًا أو شخصًا أو فكرة، حقيقةً أو وهمًأ؟
أنا لا أعرفك وبالتالي لا أنتظر منك أن تعرفني كفايةً لتقوم بذلك. حسنٌ. هل يمكنني
على الأقل أن أتخيل أنك قد وجدت بالفعل ما يشعرك بقيمتك وأسألك أن ترشدني لأول الطريق
نحو إيجاد خاصتي؟ لا أظن ذلك طلبًا صعبًا، سأنتظر منك أن تقوم به لأجلي!
دمت بخير..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق