عزيزي سين،
..
لعل رسالتي هذه تصلك رافلاً في ثوب الصحة والعافية. أثقلت عليك في
رسالتي السابقة ولم أقم حتى بتوديعك في نهايتها، واليوم أعود لأثقل كاهلك مجددًا
وكأن الأمر قد راقني. لماذا أنا واثقة لهذا الحد من مقدرتك على احتمالي؟ لا أعرف.
لكني سأتبع ذلك الحدس الذي يقول لي بأنك ستتحمل، وبأنك كنت تنتظر هذه الرسالة بقدر
ما سأنتظر أنا قراءتك لها، وبأنك ستسعد بقراءتها حتى وإن كانت كئيبة محزنة.
أكتب إليك اليوم لأن قلبي يريد أن يطمئن بعد أن تكاثرت الشكوك وتعاظمت
الهواجس، وبدأت أشعر بأن مواجهتها قد لا تنتهي بالنصر كما كان يحدث سابقًا. أكتب
إليك لا لأنني أشك بالفعل، أعتقد أن اليقين لا يزال يسكن قلبي وعقلي، ولكن لأشهدك
على ما يدور حولي كل يوم، ولأعلمك بأن الطريق قد صارت أصعب مما مضى ولم يعد شقها
آمنًا كما كنت أظن، ولأني رأيت أقدام الكثيرين حولي تزل ولست أرى في نفسي الحقيرة
ما يعصمها عن الزلل هي الأخرى.
لا أدري كيف بدأ الأمر، ربما بكلمات من اللواتي تخجل أن تعترض عليها
أو حتى أن تبدي عدم ارتياح في حضورها خشية أن يساء فهمك، ربما بفكرة بينة الخبث
عفنة الرائحة تجزأت لأفكار أصغر واندست بقلب أخريات حسان لتدخل العقل متنكرة في
ثوب غير ثوبها، لابد أن ثمة طريقة ما شديدة الدهاء بالغة المكر أدت لهذا الوضع
الغريب!
لقد اتسعت دائرة حرية الفكر والتعبير وضرورة تقبل الآخر لتشمل أحداثًا
لم تكن تشملها قبلاً، ولتشجع أفراد المجتمع على فضح المعاصي والآثام التي ارتكبوها
متفاخرين متباهين، ولتجبر بقية المجتمع على المباركة والاحتفاء بهذه النماذج تحت
مظلة الانفتاح والتحضر، ولتنعت بالتخلف والرجعية من يرفض ويستنكر، أو حتى من يلتزم
جانب الصمت. اتسعت الدائرة وتجرأت بما يكفي لتعتبر أن من حقها رفض المرجعيات كلها،
وتحقير المسلمات جميعها، وهدم مفهوم الثوابت جملة وتفصيلاً، وعدم السماح بالاحتكام
لغير العقل، شرط أن يكون العقل خاويًا من احترام أي عقيدة. هل تتصور أنه -في هذا
الزمن الأغبر الذي نعيشه- لا يحق لك أن ترفض سلوكًا أو تنقد فعلاً لمجرد أنك تعتقد
أنه متنافٍ مع تعالم دينك؟ هل تعلم أن أي دور تعطيه للدين في حياتك -باستثناء صلاة
تؤديها في السر، أو قطعة قماش حول رأس الفتاة في بعض الأحايين- قد يوقعك في قائمة
من المتاعب، أبسطها أن يتم تحقيرك؟
لطالما كنت مؤمنة وبواجب المجتمع نحو أفراده، والذي يتضمن -ضمن قائمة
طويلة- توفير مناخ يسهل الطاعة ويحببها إلى قلوب العباد ويصعب المعصية وينفر الاقتراب
منها. ومن ضمن الوسائل التي تحقق هذا الهدف هي تحريم المجاهرة بالمعصية، لأنها
بالنسبة لمرتكبها تزيل من نفسه بقايا الندم والتأنيب وتؤكد العودة مرارًا دون
توبة، ولأنها بالنسبة للمعافى من الذنب تشكل تهديدًا، فرؤية المرء لمن حوله
يرتكبون المعاصي ليل نهار يقلل رهبتها في نفسه ويسهل عليه ارتكابها. وهذه المجاهرة
التي تسهل ارتكاب الذنوب لكلا الطرفين كفيلة بإنتاج مجتمع تتفشى فيه الفواحش
بأنواعها دون رادع. هل ترى -مثلي- يا سين أنها حجة منطقية ولها مبرراتها المقنعة
التي تستند إليها؟ إن كانت إجابتك نعم، فلماذا إذاً أسمع دعاة التحضر يردون:
"كلٌ له عقل يمكنه من التمييز بين الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن نخفي المعصية
أو نحقرها لنمنع ارتكابها"، "من يريد المعصية يسعى إليها، لا علاقة
بالمجاهرين بهذا"، "لكي يكون اليقين راسخًا لابد للمرء أن يترك المعصية
وهو يعلم كيف السبيل لارتكابها، غير ذلك يقين زائف يسقط في أول اختبار
حقيقي". ماذا بالله في هذا يتعارض مع رفض المجاهرة؟ ماذا يضير العقل المميز
للصواب والخطأ تحقير المعصية؟ وهل كل أفعال المرء تعبر بالضرورة عما يعتقده العقل؟
أليس هناك من يقع في ذنب رغم اقتناعه بأنه ذنب؟ ماذا أفاد العقل هنا عندما كانت
الجوارح مقبلة على الفعل، ولماذا لم يصدها العقل الحكيم الراشد؟ هل تعرف يا عزيزي
سين بأن مجرد كتابتي للسطور السالفة قد جعلتني ضمنيًا ضمن عداد الحمقى أعداء تقدم
الإنسانية وازدهارها؟
نعيش يا عزيزي سين في بلاد تثقلنا بالامتحانات كل يوم، لا ينجح الجميع
بالطبع، كل يوم يسقط الكثير. لست أملك تحت أي وجه من الأوجه لوم أحد، ولا أدعي
الأفضلية وأنا لا أكف عن ارتكاب الذنوب صباح مساء. لكن ألا تعتقد أن ما بين ارتكاب
الذنب معظمًا ومهولاً وبين ارتكابه متباهيًا مفاخرًا حاجز لا ينبغي كسره؟ ألا تظن
إنكار نظرة الدين وإهمال رأيه حدث جلل يتطلب وقفة؟ ألا ترى أن تناول الأمر من جانب
(الحرية الفكرية، الطبيعة الإنسانية، الحتمية البيولوجية، الصدَفة الحلزونية، إلخ)
قد صار مملاً، بل وأصبح يهمل قدسية العقل المزعومة في بعض الأحيان؟
"يأْتِي عَلَى
النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر" كل
ما أرجوه صدقًا أن يكون زماننا هو الزمان المقصود، لأنني لا أتخيل أن الأمور قد
تزداد سوءًا، أو أن الامتحانات ستزداد صعوبة. لا أعلم حينها كيف سأصمد! هذا إن جاز
اعتبار ما أنا عليه الآن صمودًا!
أكتب إليك عزيزي سين لأن حدسي الذي جعلني أتوقع انتظارك لهذه الرسالة
يجعلني أتوقع منك المساندة، فأنا -بين الحين والآخر- أشعر بأني محتاجة لمن يشاركني
الرأي لأزداد قوة، فأنا -ككل البشر- أنبهر بكثرة المنتمين للطرف الآخر صاحب
الشعارات الرنانة والكلمات المعسولة والوعود المغرية بعالم يقبل الجميع ولا يلفظ
أحدًا من جنته.
حفظك الله -يا عزيزي- من الفتن، وحماك من مصائب الدين والدنيا. ودمت سالمًا..
لايضركم من ضل اذا اهتديتم
ردحذفانا استمتعت بكل سطر منها والله ...
ردحذف"سأتبع ذلك الحدس الذي يقول لي بأنك كنت تنتظر هذه الرسالة وبأنك ستسعد بقراءتها"
انا سعدت بقراءتها فعلا
عاش :D
لقد استمعت كثيرا بقراءة هذه الرسالة ..وفقك الله يا ياسمين واعانك على تمسكك بمبادئك فى زمننا هذا ..انتظر بشوق رسالتك القادمة
ردحذفعظيم , عظيم جدا
ردحذفانا هاسمح لنفسي اني اقتبس الجملة دي و ادعيلك بيها
ردحذف"حفظك الله -يا عزيزتي- من الفتن، وحماك من مصائب الدين والدنيا"
<3