عزيزتي منة،
بالأمس انهارت قلعة أخرى. لا أذكر بالضبط متى شيدت، ولم يصادف أن
عاينت شرخًا في إحدى جدرانها ينسحب ببطء على بقية هيكلها، ولم تهاجم بموجة أو
اثنتين قبلاً تضعفها وتهيئ لها -ولي- لحظة الانهيار. موجة عالية غمرت القلعة ثم
انحسرت عن حطام، ولا شيء آخر!
مرت أعوام كثيرة، لكني لا زلت أذكر الأيام التي أمضيناها سوية. طالبتان
جامعيتان تطوفان في أروقة الجامعة الواسعة دون هدف، وصديقتان مقربتان تجربان كل
أسبوع مطعمًا مختلفًا أو محلاً جديدًا. تبهرنا حياتنا الجديدة ويبهرنا كونها صارت
جديدة لمجرد انتقالنا للجامعة. كل شيء كان جديدًا لكن جميلاً ومانحًا لقوة غريبة.
هل كان هذا هو مصدر تلك القوة فعلاً؟ رأينا الحياة تتغير من حولنا فآمنا بالتغيير،
ورأيناها تتغير لصورة أحببناها فاعتقدنا أنها امتثلت لرغبتنا، فآمنا بالقوة،
وعندما آمنا بها امتلكناها؟
دفعتنا تلك القوة يومًا لتوقع الكثير، حلمنا بما لم نحلم به يومًا،
وظننا -لعظم ما بدت عليه تلك الأحلام في عيونا ولجدتها على عقولنا الصغيرة وقتها-
ألّم تزر تلك الأحلام قلوبًا قبل قلوبنا.
يومًا أخبرتني -يا عزيزتي- أنك تحبين البحر وتحبين شاطئه، لكنك تكرهين
ارتباطه في ذهنك بالسفر. لطالما كان السفر بالنسبة لك إما غربة موحشة تخلط أي لحظة
استمتاع تصادفينها برهبة المجهول فتستحيل المتعة الكاملة، وإما هروبًا من شيء ما،
أي شيء، وأنت قلت لي أيضًا أنك لا تحبين الهروب، لأنه لا يكف عن إخبار الهارب بأنه
لم يكن جديرًا بمنة الحياة التي منحت له. ولأنك تحبين البحر وترغبين أن تغادرك
غربة المسافر وخوف الهارب عندما تكونين على شاطئه، فقد كان حلمك أن تبني بيديك
قلاعًا من الرمال على شاطئه، فتحل ألفة المسكن وعشرة الرمال محل وحشة السفر، ويصير
البحر بشاطئه بيتًا لك.
كم مرة دفعتنا قوتنا لخلق المزيد من الأحلام؟ مرات عديدة يصعب
إحصاؤها، ربما بعدد شواطئ البحر التي رزناها ووددنا أن تكون ملكنا، وبعدد قلاع
الرمل التي عزمنا على تشيدها لتصبح تلك الشواطئ ملكنا. كانت النشوة تغمرنا في كل
مرة تلمس فيها أيدينا الرمال، نخلطه بالماء، نشكله ليشبه تصميم القلعة الذي حددناه
مسبقًا، نحفر بأدواتنا البسيطة نقوش الجدران، نبرز أطر النوافذ والأبواب، ثم نغرس
أعلاها علمًا أزرق يحمل صورتينا عندما نعلن انتهاءنا. في كل مرة نكرر تلك الخطوات
بذات الترتيب نزداد قوة، فنذهب لبناء قلعة أخرى لندخل قطعة أخرى من الشاطئ لحيز
الألفة. وقبل أن تخور قوانا تعبين من العمل، ننظر لما بنيناه فيحل السرور محل
التعب، ونضحك عاليًا. نستلقي على الرمال ونتأمل السماء، ونشعر أننا قد صرنا نملك
جزءًا منها بالتبعية، فالقلاع نملكها فنملك البحر، والبحر يعكس السماء فوقه على
صفحته فنرى ضوء القمر ونحس دفء الشمس، فنملك السماء. أقول -وأرفع صوتي وكأنك لا
تنامين جواري وكأن المكان يضج بأصوات كثيرة غير صوت أمواج البحر وصوتينا-: تعالي
ننزل البحر الآن. وأنهض وأسحبك بقوة، ثم أدفعك نحو المياه فتقعين أرضًا، وتتعالى
ضحكاتنا أكثر وأكثر.
قبل عامٍ من اليوم، غلبنا النوم فنمنا على الشاطئ، واستيقظت أنا عندما
أحسست ببرودة في قدمي، فوجدت المد يعلو والماء يقترب منا ومن قلاعنا. أيقظتك فزعة
وأخذت أصرخ وأقول بأن القلاع ستنهار، وما إن أفقتِ حتى شاركتني خوفي وصراخي، ثم
ركضي بعيدًا بعد أن أيقن كلانا ألا شيء يمكن أن نفعله. أخذنا نراقب الموج يزحف
تدريجيّا ويزداد قوة وعنفًا كلما اقترب، ثم يدمر واجهة قلعتين كانتا أقرب ما يكون
إلى الشاطئ، ثم يهدم القلعتين بالكامل، ثم يقترب أكثر ليصيب الباقي بأضرار بالغة.
يومها جلست أعد في عقلي الأيام التي سنحتاجها لنصلح ما أفسده المد، ثم
قررت إشراكك في العد برفع صوتي، لكنك أسكتني عندما قلت بأنك سترحلين من هنا! لجأتِ
للهروب الذي من أجل الفرار منه كان الحلم بالأساس، أهذه هي النهاية التي تليق بما
بذلناه؟ لم أجد مفرًا من المحاولة من جديد، لكن وحدي هذه المرة. الموج حطمنا عندما
كنا معًا، فكيف يصنع بي وأنا وحدي أمامه؟ توالت الأمواج على مدار العام تدمر كل ما
صنعناه سوية، وتدمر ما أحاول البدء فيه قبل أن يعلو الأرض بأكثر من شبرين، ولا
تبقي سوى همهمات غريبة أسمعها بين الحين والآخر فأظن أنك قد عدت.
لمتك حين طلبت الهروب، وقلت عنك خائنة. حسنًا، أنا لن أهرب، لكنني لن
أبني قلاعًا أخرى. سأترك كل ما كنت أحمله معي من متاع في القلاع الباقية ليأخذها
البحر بأمواجه، وأقيم مكان القلعة التي هدمت اليوم، وأراقب الأمواج تقترب. هل ترين
فرقًا؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق