عزيزي سين،
هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟
الكتابة عمل شاق. أوقن ذلك لأنني جربته وأعرف ما في الأمر من مشقة.
تبدأ المشقة عندما تتخذ قرار الكتابة. اتخاذ القرار وحده يعني اعترافك -ضمنيًا-
بأن ما بداخلك قد صار أثقل من أن تحمله وحدك. هذا الاعتراف يجعلك تشعر بثقل حقيقي
لم تكن تشعر به قبل دقائق من اتخاذ القرار. الثقل يشمل صعوبة في الحركة والكلام
وترتيب الأفكار وممارسة أي نشاط يتضمن الاختلاط بالبشر. لو تمكنت من تحويل قرار
الكتابة هذا لمشروع مكتمل، أو لمسودة أولى، أو حتى لأفكار متبلورة يمكنك رصها على
الورق عندما يكون ذهنك أكثر صفاءً، لو تمكنت من ذلك فأنت محظوظ، فالثقل لن يستمر
طويلاً في تنغيص معيشتك وإظهارك بشكل مأساوي يلفت انتباه من حولك ويدفعهم لطرح
أسئلة تبدو لك شديدة الغرابة، كأن يسألك أحدهم عن سبب حزنك بالضبط في أوقات سعادتك
البالغة (نعم، فالثقل يشمل أيضًا عجزًا عن التبسم مثلاً أو غيرها من مظاهر السعادة
المألوفة)، أو يتطلع إلى وجهك محاولاً تخمين سبب علامات الإعياء التي يراها بادية
عليك رغم تمتعك بصحة ممتازة (الثقل يجعل وجهك ذابلاً شاحب اللون، بالضبط كما قد
تفعل بوادر الزكام). عندما تنجح في التخلص من ذلك الثقل بمجرد إدراك وجوده ترتاح
من كل ذلك العناء. المشكلة الحقيقية تكمن عندما لا تتمكن من إخراج الثقل عبر صرير
قلمك (أو عبر "تكتكة" النقر على أزرار لوحة مفاتيح حاسبك المحمول. هذه
طقوس تعود للكاتب في المقام الأول ولا توجد قواعد تجزم بأفضلية وسيلة على الأخرى).
عندها يتمكن الثقل منك ويحولك لكتلة من البؤس تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وهذه
هي لعنة الكتابة.
رغم الصعوبة البالغة المقترنة بالأمر إلا أن حله شديد البساطة: لا
تكتب! الخلاص من اللعنة يكمن في البحث عن وسيلة أخرى تنسيك ما أدركته عن الثقل
القابع داخلك (هذا إن فشلت في إيجاد طريقة لإخراجه بالفعل من داخلك تريحك من شروره
بشكل جذري، عوضًا عن تجاهل وجوده وحسب). لكن يجب أن تعرف أنك لن تعود قادرًا على
إخراج ذلك الثقل تحديدًا عن طريق الكتابة في المستقبل القريب على الأقل، فالكتابة
عزيزة النفس كمراهقة لا تقبل أن تكون الخيار الثاني لشاب لا يظهر اهتمامًا كافيًا
بها (هذا لو لم يكن الشاب وسيمًا كفايةً بالطبع).
...
هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟
"أكتب لأني أحب الكتابة، أقصد أنني أحبها بشكل يجعل سؤال
"لماذا" يبدو غريبًا وغير مفهوم." ألا تكفي إجابة رضوى عاشور هذه
لتبرير ما يدفعني لتقبل ذلك العناء بل والاستزادة منه؟ شعور غريب من النشوة ينتابني
عندما أكتب شيئًا، عندما تأتيني فكرة لأكتب عنها، أو حتى عندما يمر ذكر الكتابة
على مسمعي بشكل اعتراضي وسط حديث لا يتعلق بالأصل بها. القدرة التي تضعها الكتابة
بين يدي، والتي أجدني بها أصنع أناسًا لا وجود لهم، أكسبهم ملامح وشخصيات بتركيبة
أختارها كيف أريد، أحدد بها كيف تشكلهم الحياة وكيف تنحتهم أحداثها، القدرة التي
أسمع بها صوتي الذي دائمًا ما يخفت وسط ضجيج المارين لكنه يطل جهورًا في أصوات
أبطال حكاياتي، القدرة التي أعرف بها كيف أفكر عندما أرى كيف يفكر الأبطال وكيف
يحركون الحكاية لبعد جديد، تجربة امتلاك هذه القدرة تجعلك تستصغر أي عناء قد
تصادفه في طريقك لامتلاكها. والنشوة المقترنة بامتلاك هذه القدرة هي ما تجعلني دائمًا
أعود مجددًا وأطلب المزيد.
في غمار حديثي عن النشوة قفز لذهني الآن ذلك الشعور الذي يأبى إلا أن
يختلط بالنشوة ويقترن بها كما تلتف الحية بجسدها الملتوي ولسانها المليء بالسم حول
كأس الدواء، في صورة مألوفة للغاية ويعرفها الناس رمزًا للصيدلية. لو افترضنا أن
نشوة الكاتب بفعل الكتابة تشبه نشوة المدمن مثلاً، فإن ذلك الشعور الذي أتحدث عنه
يقابل ما تعرضه الأفلام عن معانة المدمن في حياته التي تدفعه مرارًا للتفكير في
الإقلاع نهائيًا عن مجلبات نشوته تلك. أستطيع سماع صوت ذلك الشعور الآن بوضوح
(أستطيع تمييزه عن صوت علي الحجار في الخلفية) يطن فوق أذني كذبابة ويخبرني بأن
أترك "القرف اللي بكتبه دا". عالقة أنا الآن بين رغبتي في إتمام الرسالة
وبين قناعة الطنين تتوغل بالتدريج داخل عقلي وتنتشر كما تنتشر بقعة اللون داخل كأس
ماء زجاجية. أعود فأقرأ ما كتبت علّي أحاول حل النزاع الناشب بشكل منطقي. أتمتم
بصوت خفيض: جيد، لكنني سأغادر مقعدي وأطفئ حاسبي المحمول وأعود عندما أستطيع كتابة
شيء أفضل.
....
أعود للرسالة وأقرأ ما تم إنجازه حتى الآن. هل أستطيع كتابة شيء أفضل؟
هل ما كتبته يحقق ما أحتاجه من النشوة؟
...
هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟
بحثي عن تلك النشوة يجعلني أكتب، لكن هذا يجيب شق السؤال الأول فحسب.
حبي للكتابة يبرر قيامي بها، لكنه لا يبرر توجيهها إليك. أعني لو كانت الكتابة
ذاتها تجلب النشوة المطلوبة، فلماذا أجعلك تقرأها؟ لماذا لا يحتفظ كل كاتب بما
يكتب لنفسه؟
"أحبك تستكين الريح، في قلبي والأماني تصيح، بحبي وأعشق التصريح،
ودربي في الضباب مغمور.. أحبك تبتدي البدايات، تاخدي ضحكتك بالذات...." صوت
علي الحجار يختلط مع صوت الطنين ومع صوت أفكاري التي كنت أحسبها مرتبة. هل أستطيع
كتابة شيء أفضل؟
هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟
"أحبك ضي روحي يبان.. وأعبر ضلمة الحرمان.." لماذا أحس أن
الحجار يغني الآن ليرمي إليّ بشيء يخرجني من ورطتي؟ الكتابة عمل شاق،
والأفكار تستعصي أحيانًا على صاحبها. ألم أضع تسلسلاً لأفكاري قبل أن أبدأ
بالكتابة؟ أين ذهب التسلسل؟ وأين ذهبت الأفكار؟ الكتابة عمل شاق. ها هو الثقل يزحف
ليشلني عن إيجاد مخرج، وها هو الطنين يعلو ويملأ رأسي، وها هو النعاس يحاول إغلاق
جفناي عنوة، وما زال صوت الحجار يحاول أن يخبرني بشيء لكن أذني لا تلتقطه، وما
زلت أتساءل عما إن كنت أستطيع كتابة شيء أفضل..
هل تساءلت يومًا لماذا أكتب إليك؟
أعتقد أنني -مؤخرًا- حصلت على إجابة جيدة، لكني أحتاج مزاجًا جيدًا بالطبع لأستطيع سردها.