الأربعاء، 25 يناير 2017

الرسالة الثالثة

عزيزي سين..

آمل أن تجدك رسالتي على خير حال. لم أكتب إليك منذ فترة، ترى هل يجعلك هذا أكثر تشوقًا لرسالة اليوم؟ أم يجعلك تشكرني على فترة النقاهة المنقضية، آملاً أن تنتهي هذه الرسالة سريعًا وأن يتبعها فترة صمت مماثلة لسابقتها؟
...

"الأربعاء 25 يناير تحل الذكرى الـ65 على أهم معركة شعبية في تاريخ مصر المعاصر ضد الاحتلال الإنجليزي آنذاك، معركة يطلق عليها أهالي الإسماعيلية معركة الصمود والتحدي، وهي المعركة التي صمدت فيها قوات البوليس المصري ومعهم الفدائيون من أبناء منطقة القناة بأسلحة خفيفة ضد دبابات ومدفعيات الإنجليز بقيادة البرجيدير إكسهام"

ترى هل لديك فكرة يا عزيزي عما يعنيه مصطلح "ذاكرة الشعوب"؟ هل هي ذاكرة قوية لا تترك الماضي بأفراحه وأتراحه للنسيان يطويه ويلقي به بعيدًا، أم هي كذاكرة شيخ عجوز لا تتحمل الكثير من التفاصيل؟ هل هي ذاكرة انتقائية تختار من بين الذكريات ما تراه يستحق المكوث بين ثناياها، ترتب له مكانًا أنيقًا داخل تلافيفها المعقدة، وتوفر له سبل الراحة التي تجعله يفضل الإقامة فيها للأبد، بينما ترسل ذكريات أخرى إلى المحرقة حيث تصير رمادًا مختلف الهيئة غريب الملامح لا يمكن التعرف على أصله بالنظر إليه؟ لو كانت كذلك، فمن يا ترى يختار لها ذكرياتها؟ "ما أرى ذاكرة الشعوب إلا كهذه اللوحات السود التي توضع للطلاب والتلاميذ في غُرفات الدرس وحجراته يثبت عليها هذا الأستاذ ما يمحوه ذاك، وهي قابلة للمحو والإثبات، لا تستبقي شيئاً ولا تمتنع على شيء" هل ترى الأمر كما رآه طه حسين؟
...

"يا شعب يا مصلي قدام العساكر صف
يجري الجريح من ورا لقدام، لا خاف، ولا خف
تدوس عليه العربية تحوله لمية ألف
يا للعجب، يقتلوه ويتوقعوا هربه!
يا للعجب، يقتلوه ويتوقعوا غيابه
اللي اتقتل لسة واقف هو وصحابه
ما بهدل الأمن غير من ماتوا واتصابوا
والصبح ما نوّر، إلا أما الشموس غربوا"

لا يبقى من آثار المهزومين غير الكتابة شعرًا ونثرًا! أما المنتصر فله الشعر والنثر والأغاني والأفلام والمذياع والتلفاز والجريدة والناس والنفوذ والأحلام، والتاريخ! "التاريخ ضمن الغنايم، وبيكتبه الكسبان"!

أتدري ما الجزء الأفضل في كل هذا؟ لكي تحسب مواطنًا صالحًا بمقاييس اليوم، كل ما عليك فعله هو أن تتابع مباراة المنتخب الليلة مبتهلاً بكل صدق أن ينصره الله نصرًا عزيزًا. ربما يكون التعادل كافيًا للتأهل ولكن من الأفضل أن تبتهل بالنصر لإثبات الولاء.


حفظك الله يا عزيزي سين، وأدام عليك نعمة الصحة والعافية، ورزقك قدرة على التغافل تجعلك لا تفكر كثيرًا فيما قد قرأته للتو!



الجمعة، 13 يناير 2017

الرسالة الثانية

عزيزي سين،
..

لعل رسالتي هذه تصلك رافلاً في ثوب الصحة والعافية. أثقلت عليك في رسالتي السابقة ولم أقم حتى بتوديعك في نهايتها، واليوم أعود لأثقل كاهلك مجددًا وكأن الأمر قد راقني. لماذا أنا واثقة لهذا الحد من مقدرتك على احتمالي؟ لا أعرف. لكني سأتبع ذلك الحدس الذي يقول لي بأنك ستتحمل، وبأنك كنت تنتظر هذه الرسالة بقدر ما سأنتظر أنا قراءتك لها، وبأنك ستسعد بقراءتها حتى وإن كانت كئيبة محزنة.

أكتب إليك اليوم لأن قلبي يريد أن يطمئن بعد أن تكاثرت الشكوك وتعاظمت الهواجس، وبدأت أشعر بأن مواجهتها قد لا تنتهي بالنصر كما كان يحدث سابقًا. أكتب إليك لا لأنني أشك بالفعل، أعتقد أن اليقين لا يزال يسكن قلبي وعقلي، ولكن لأشهدك على ما يدور حولي كل يوم، ولأعلمك بأن الطريق قد صارت أصعب مما مضى ولم يعد شقها آمنًا كما كنت أظن، ولأني رأيت أقدام الكثيرين حولي تزل ولست أرى في نفسي الحقيرة ما يعصمها عن الزلل هي الأخرى.

لا أدري كيف بدأ الأمر، ربما بكلمات من اللواتي تخجل أن تعترض عليها أو حتى أن تبدي عدم ارتياح في حضورها خشية أن يساء فهمك، ربما بفكرة بينة الخبث عفنة الرائحة تجزأت لأفكار أصغر واندست بقلب أخريات حسان لتدخل العقل متنكرة في ثوب غير ثوبها، لابد أن ثمة طريقة ما شديدة الدهاء بالغة المكر أدت لهذا الوضع الغريب!

لقد اتسعت دائرة حرية الفكر والتعبير وضرورة تقبل الآخر لتشمل أحداثًا لم تكن تشملها قبلاً، ولتشجع أفراد المجتمع على فضح المعاصي والآثام التي ارتكبوها متفاخرين متباهين، ولتجبر بقية المجتمع على المباركة والاحتفاء بهذه النماذج تحت مظلة الانفتاح والتحضر، ولتنعت بالتخلف والرجعية من يرفض ويستنكر، أو حتى من يلتزم جانب الصمت. اتسعت الدائرة وتجرأت بما يكفي لتعتبر أن من حقها رفض المرجعيات كلها، وتحقير المسلمات جميعها، وهدم مفهوم الثوابت جملة وتفصيلاً، وعدم السماح بالاحتكام لغير العقل، شرط أن يكون العقل خاويًا من احترام أي عقيدة. هل تتصور أنه -في هذا الزمن الأغبر الذي نعيشه- لا يحق لك أن ترفض سلوكًا أو تنقد فعلاً لمجرد أنك تعتقد أنه متنافٍ مع تعالم دينك؟ هل تعلم أن أي دور تعطيه للدين في حياتك -باستثناء صلاة تؤديها في السر، أو قطعة قماش حول رأس الفتاة في بعض الأحايين- قد يوقعك في قائمة من المتاعب، أبسطها أن يتم تحقيرك؟

لطالما كنت مؤمنة وبواجب المجتمع نحو أفراده، والذي يتضمن -ضمن قائمة طويلة- توفير مناخ يسهل الطاعة ويحببها إلى قلوب العباد ويصعب المعصية وينفر الاقتراب منها. ومن ضمن الوسائل التي تحقق هذا الهدف هي تحريم المجاهرة بالمعصية، لأنها بالنسبة لمرتكبها تزيل من نفسه بقايا الندم والتأنيب وتؤكد العودة مرارًا دون توبة، ولأنها بالنسبة للمعافى من الذنب تشكل تهديدًا، فرؤية المرء لمن حوله يرتكبون المعاصي ليل نهار يقلل رهبتها في نفسه ويسهل عليه ارتكابها. وهذه المجاهرة التي تسهل ارتكاب الذنوب لكلا الطرفين كفيلة بإنتاج مجتمع تتفشى فيه الفواحش بأنواعها دون رادع. هل ترى -مثلي- يا سين أنها حجة منطقية ولها مبرراتها المقنعة التي تستند إليها؟ إن كانت إجابتك نعم، فلماذا إذاً أسمع دعاة التحضر يردون: "كلٌ له عقل يمكنه من التمييز بين الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن نخفي المعصية أو نحقرها لنمنع ارتكابها"، "من يريد المعصية يسعى إليها، لا علاقة بالمجاهرين بهذا"، "لكي يكون اليقين راسخًا لابد للمرء أن يترك المعصية وهو يعلم كيف السبيل لارتكابها، غير ذلك يقين زائف يسقط في أول اختبار حقيقي". ماذا بالله في هذا يتعارض مع رفض المجاهرة؟ ماذا يضير العقل المميز للصواب والخطأ تحقير المعصية؟ وهل كل أفعال المرء تعبر بالضرورة عما يعتقده العقل؟ أليس هناك من يقع في ذنب رغم اقتناعه بأنه ذنب؟ ماذا أفاد العقل هنا عندما كانت الجوارح مقبلة على الفعل، ولماذا لم يصدها العقل الحكيم الراشد؟ هل تعرف يا عزيزي سين بأن مجرد كتابتي للسطور السالفة قد جعلتني ضمنيًا ضمن عداد الحمقى أعداء تقدم الإنسانية وازدهارها؟

نعيش يا عزيزي سين في بلاد تثقلنا بالامتحانات كل يوم، لا ينجح الجميع بالطبع، كل يوم يسقط الكثير. لست أملك تحت أي وجه من الأوجه لوم أحد، ولا أدعي الأفضلية وأنا لا أكف عن ارتكاب الذنوب صباح مساء. لكن ألا تعتقد أن ما بين ارتكاب الذنب معظمًا ومهولاً وبين ارتكابه متباهيًا مفاخرًا حاجز لا ينبغي كسره؟ ألا تظن إنكار نظرة الدين وإهمال رأيه حدث جلل يتطلب وقفة؟ ألا ترى أن تناول الأمر من جانب (الحرية الفكرية، الطبيعة الإنسانية، الحتمية البيولوجية، الصدَفة الحلزونية، إلخ) قد صار مملاً، بل وأصبح يهمل قدسية العقل المزعومة في بعض الأحيان؟

"يأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الْقَابِضُ عَلَى دينه كالقابض على الجمر" كل ما أرجوه صدقًا أن يكون زماننا هو الزمان المقصود، لأنني لا أتخيل أن الأمور قد تزداد سوءًا، أو أن الامتحانات ستزداد صعوبة. لا أعلم حينها كيف سأصمد! هذا إن جاز اعتبار ما أنا عليه الآن صمودًا!

أكتب إليك عزيزي سين لأن حدسي الذي جعلني أتوقع انتظارك لهذه الرسالة يجعلني أتوقع منك المساندة، فأنا -بين الحين والآخر- أشعر بأني محتاجة لمن يشاركني الرأي لأزداد قوة، فأنا -ككل البشر- أنبهر بكثرة المنتمين للطرف الآخر صاحب الشعارات الرنانة والكلمات المعسولة والوعود المغرية بعالم يقبل الجميع ولا يلفظ أحدًا من جنته.

حفظك الله -يا عزيزي- من الفتن، وحماك من مصائب الدين والدنيا. ودمت سالمًا..

الأربعاء، 11 يناير 2017

الرسالة الأولى

عزيزي ....،
..

لماذا لم أكتب اسمًا؟ ربما لأنني لا أعرف لمن أكتب هذه الرسالة! أنا أكتب لأنني أشعر بحاجة ماسة إلى البوح، لكني لست متأكدة من صفة الشخص الذي سيكون مستعدًا لسماع ما سأقوله، أهو صديق مقرب أشاركه أدق تفاصيل يومي؟ أم عزيز لا يجمعني به غير سلام عابر بين الحين والآخر؟ لم لا يكون خمسينيًا يتجول في الشارع بلا هدف، لا أعرف اسمه ولن أتواصل معه ثانية، أفرغ أمامه ما بداخلي وأمضي دون أن اضطر للشرح أو التبرير؟ هل تكون صفحة كاللواتي يستقبلن مشاكل المتابعين واعترافاتهم ليعرضنها دون التعريف بصاحبها؟ هل يكون طبيبًا نفسيًا؟ لا أعرف! لكن لأسهل على نفسي الكتابة سأفترض أنني أتحدث لشخص لا يشترط فيه إلا أن يكون له وجود وأن يستطيع قراءة ما أكتب، وسأطلق عليه اسمًا. لماذا؟ ربما لأقنع نفسي بوجود ذلك الشخص فأستمر في الكتابة، وربما لأن توجيه الكلام لشخص بعينه سيساعدني في تنظيم أفكاري المبعثرة. حسنًا، نعود لاختيار الاسم، ليكن السيد سين!

عزيزي سين..
..

آمل أن تجدك رسالتي مرتاح البال ساكن القلب قرير العين معافى البدن، أكتب إليك للمرة الأولى -متأكدة من هذا برغم أنني لا أعرفك، فأنا لم أكتب رسائل قبلاً لأي أحد-. أكتب إليك لأنني -كما أسلفت- بحاجة ماسة إلى البوح، وآمل أن يتسع صدرك لثرثرتي في هذا المساء البارد من أمسيات ديسمبر الموحشة.
أكتب إليك لأشكو خوفي الذي سيطر عليّ بالكامل، فغدا هو السبب الأول لكل ما فعلت، والدافع الأقوى لكل ما أنوي فعله، والمبرر الوحيد لكل ما كنت عازمة على فعله ثم لم أفعله. لقد دخل الخوف عقلي وأزاح كل ما قد ينازعه سلطة صناعة القرار. أحتل مكان المنطق والرجاء والغضب والسعادة والحب وكل من رأى فيه منافسًا محتملاً، وتركني دون قدرة على الإفلات من قبضته أو حتى على الاستنجاد من نيرانه بغيره، تركني دون أي مهرب منه إلا إليه!

ربما تريد أن تسأل عن سبب ذلك الخوف -وربما لا تكون مهتمًا بالأساس، لنفترض الاحتمال الأول لغرض إكمال الرسالة-، وما الذي طرأ عليّ لكي تفارقني الطمأنينة ويرحل عني السكون. إن كانت أسئلة كهذه تدور بخاطرك الآن فأنت على الأرجح لا تعرف عني الكثير -ولن أجرؤ على لومك، فكاتبة هذه السطور لا تعرف لمن تكتبها-، لذا دعني أخبرك عني ما قد يعينك على المتابعة. لم يكن الخوف يومًا ضيفًا عابرًا عليّ، ولم يتطلب حلوله يومًا عرضًا طارئًا أو فاجعة مرتقبة، فلطالما كان الخوف مقيمًا بين ضلوعي. وأنا هنا لا أقصد ذلك الخوف الساذج من الظلام والحيوانات والأماكن المغلقة والأخرى المرتفعة وغيرها -أعتذر إليك إن كان واحدًا من عناصر القائمة السابقة يخيفك-، ما أعانيه مختلف نوعًا ما، لطالما خفت من كل مجهول، من كل ما لم يأت بعد، من كل ما انتظره ومن كل ما ينتظرني. التحديات الجديدة، القرارات المصيرية، الانتقال إلى مكان مغاير أو مرحلة مختلفة، مقابلة أشخاص جدد، الحياة في ظل ظروف مستجدة، التكيف مع التغيير، معرفة أن ثمة تغيير سيطرأ أصلاً، كلها -حتى التافه منها- تثقل كاهلي بخوف أغالبه فيغلبني أحيانًا، وأغلبه أحيانًا أخرى بعد أن يستنزف وقود الرحلة من جلد وقوة وعزم، فأبدأ سيري مترنحةً أكاد لا أقوى على حراك!

يقولون إن الصغار دائمًا يستعجلون الكبر. لا أذكر كل تفاصيل طفولتي بالطبع، لكني أذكر منها ما يناقض هذا الافتراض. أذكر نوبة تشبه الاكتئاب أصابتني عند التحاقي بالصف الأول الإعدادي، والذي حدث -بالمناسبة- دون أن أنتقل لمدرسة أخرى أو أجبر على رفقة جديدة، حتى معلمات المواد المختلفة، كن إما من اللواتي درسنني في المرحلة الابتدائية، أو كنت على الأقل أعرف أسماءهن وبعض المعلومات الأخرى عن كفاءة الشرح وصرامة الشخصية ومستوى صعوبة الامتحانات. كل التغيير الذي طرأ كان لون الزي المدرسي والانتقال إلى الدور الثاني بمبنى المدرسة حيث فصول المرحلة الإعدادية! أذكر أيضًا آخر يوم دراسي في الصف الرابع الابتدائي، عندما أخبرت معلمتي أنني أخشى الانتقال إلى الصف الخامس وأنني أود أن أعيد الصف الرابع مجددًا العام القادم لتفادي هذا الانتقال المخيف! أتأمل تلك المشاهد الآن وأتساءل -كما تتساءل أنت على الأرجح- لم كان الخوف؟ أنتبه أن السؤال موجه مني إليّ وبالتالي يتعين عليّ أن أجيب، فلا أجد إجابة! لا يقنعني ذلك الاستسلام المبكر فأعود وأسأل، هل كنت ترين فيما سيأتي ما يكفي لينتصر الخوف بهذه السهولة؟ لماذا أهملت حقيقة أن كل المخاوف السابقة من المستقبل -الذي أصبح فيما بعد ماضيًا- قد كشف الزمن زيفها، واتضح لك أنها ببساطة لم تكن في محلها؟ لماذا لا تحولين بصرك قليلاً عن حجم الاختلافات التي ستطرأ، لتمنحي نفسك فرصة تأمل المتشابهات التي ستبقى على حالها دون مساس؟ لماذا من الأساس كل هذا الخوف من التغيير؟ تحاصرني الأسئلة ولا إجابات لدي، يكاد يخنقني تدافعها الشديد نحوي ولا أملك دفعها، تضجرني فأهرب دون أن ألتفت ورائي، أهرب للخوف الذي أجد فيه دائمًا ملجأً أكثر أمنًا!

لم يتغير أي شيء من ذلك لاحقًا. مثقلة أنا بالمخاوف يا عزيزي سين، مخاوف مختلفة في مسبباتها وإن كانت كلها من نوع مألوف عايشته مسبقًا. لم تعلمني سنوات الخوف الطويلة السالفة أي شيء يطور قدرتي على المواجهة، لا زلت تلك الطفلة الصغيرة الساذجة التي ترى في كل غير مألوف خطرًا. لا زلت أركض هاربةً قبل أن أعرف مما أهرب. لا زلت أضيع الفرص وأهدر لحظات العمر السعيدة القليلة. لا زلت أجهل كيف الخلاص.


أكتب إليك عزيزي سين وأنا في آخر عام لي في الجامعة، وبعد عدة أشهر -لا أدري هل ستقرأ الرسالة قبل انقضائها أم لا، بل قل لا أدري هل تنوي قراءة الرسالة أم لا- سأكون ضمن خريجي الدفعة الأولى. أنا خائفة! خائفة لدرجة أن مصارحتي لك بمخاوفي تطلبت جهدًا ليس بالهين. لم أستطع كتابة الرسالة دفعة واحدة، بل أكتب جملة أو جملتين ثم أترك الكتابة وأذهب، وهكذا حتى مضى الثلث الأول من يناير دون أن أنهي الرسالة! لقد ألفت الجامعة التي كنت خائفة منها سلفًا، فهل سآلف حياتي الجديدة بعدها؟ وماذا يوجد في هذه الحياة؟ وشبح المخاوف القديمة الذي يطل عليّ وأنا أكتب هذه السطور، هل يعطيني دافعًا للاطمئنان ويخبرني أن ما هو آت سيمر كما مر ما كان آتيًا قبلاً؟ أم يدمي الجرح نصف الملتئم مجددًا بعد كل ما تطلبه إيقاف النزيف؟ وإلى متى ستظل السنون تزف إليّ الخوف قبل مجيئها، وتترك الندم بعد مضيها؟ تحاصرني الأسئلة ولا إجابات لدي، يكاد يخنقني تدافعها الشديد نحوي ولا أملك دفعها، تضجرني فأهرب دون أن ألتفت ورائي، أهرب للخوف الذي أجد فيه الآن ملجأً أكثر أمنًا! أكثر أمنًا من البوح، أكثر أمنًا من محادثتك يا عزيزي سين!