الخميس، 6 أبريل 2017

تتمة الرسالة السادسة

عزيزي سين،

في كل مرة عقدت فيها العزم على كتابة نص جديد كان السؤال يقفز لذهني، يظهر أمامي بوميض يجيء ويختفي ليضمن إفساد محاولات تجاهله المحتملة. نعم، قد تبدو الكتابة لهواتها نزهة للروح، يمتطون ظهرها كفرسان وتعدو بهم كخيول أصيلة، أو يستحثونها على التحرك كسيارة 128 متهالكة يقودها سبعيني يقاسي آلام الروماتزم، في الحالتين وبغض النظر عن مشقة السفر فهم يسافرون بها بعيدًا. نعم، قد تبدو الكتابة لهواتها جليس وحدة تشعر بها رغم تزاحم الناس من حولك، أو أنس غربة حقيقية لا أحباب لك فيها يحملون عنك، في الموضعين هي رفيق مخلص. نعم، من يكتب يكتب لأسباب عديدة معظمها مبرر ومفهوم (أقول معظمها فقط خوفًا من الجزم بشيء قد لا أكون محيطة به إحاطة يحق لي بسببها الجزم)، لكن ماذا يدفع من يكتب إلى عرض إنتاجه ليقرأه غيره؟ لماذا أرسل إليك -عزيزي سين- ما كتبته رغم أن ما أرجوه من الكتابة ذاتها يتحقق بإنجاز الرسالة لا بقراءتك لها (دعني أفترض أنك تقرأ رسائلي بالفعل)؟ لماذا لا نغلق الأدراج على كتاباتنا، مكتفين بفتح الدرج لإلقاء نظرة بين الحين والآخر؟

رغم ملازمة السؤال لي فترة لا بأس بها، إلا أنني كنت محظوظة كفاية لأجد ثلاثة إجابات دفعة واحدة! وأنا الآن محظوظة كفاية لتطرق الإجابات على رأسي طالبةً الخروج عبر "تكتكة" النقر على مفاتيح حاسبي المحمول، محظوظةً لأنها تطرق ولأنها مستعدة للخروج رغم جلوسي الآن في حافلة غير مريحة، وبرغم حرارة الجو الخانقة (داخل الحافلة فقط، وهذا غريب) والتي تتزامن للمفارقة مع إصابتي بالزكام الذي يصعّب بذل أي مجهود ذهني، وبرغم قلقي بشأن توافر مواصلات تقلني من المحطة القادمة إلى المنزل دون الاضطرار للدخول في صراع غير متكافئ مع رجال أشداء يستطيعون الركض والتزاحم والحصول على كرسي في "ميكروباص" بشكل لا تستطيعه فتاة خائبة مثلي. كم أنا محظوظة!

الأمانة تقتضي أن أخبرك أولاً أنني لم أحصل على الإجابة وحدي. لم تسقط التفاحة على رأسي في لحظة من لحظات التفكير والتأمل لأصرخ بعدها "وجدتها". الإجابات جاءتني على دفعتين بعدما شاركت بسؤالي في تجمع أسبوعي شديد القرب من قلبي، استلمت الدفعة الأولى المكونة من إجابتين قبل أسبوعين، أما الإجابة الأخيرة فجاءت منذ يومين فقط لتتراص بجانب رفيقاتها وتطرق على رأسي الآن معهن.

أما عن الإجابة الأولى، فهي رغم بساطتها شديدة منطقية: هي فتنة الخالق بالمخلوق! هي التي دفعت "بجماليون"، النحات الإغريقي البارع الذي كان يكره النساء ويراهم مصدرًا للمصائب والبلايا كما تقول الأسطورة، والذي قرر نحت تمثال للمرأة الكاملة -كما يراها هو- ليعرف بقية الرجال مدى قصر تفكيرهم وحماقة مساعيهم لكسب قلوب النساء، هذه الفتنة هي ما دفعته في النهاية للإعجاب بمنحوتته حد تضرعه للآلهة لنفخ الروح فيها وتسويتها امرأة حقيقية يعيش معها بقية العمر! عندما يمن الله عليك بكتابة نص يعجبك ويرضي توقعاتك، ستصعب للغاية مقاومة عرضه على صديق ليقرأه، ستجد إبقاءه في الدرج وإخفاءه عن غيرك عملاً يجحف حقك الأصيل في التفاخر بتحفتك الفنية التي أصبحت الآن جزءًا منك وضعت فيه وقتك وفكرك وخلاصة إبداعك!

وقبل أن تجعلك هذه الإجابة يا سين -لسبب أو لآخر- تظن الأمر برمته أنانية بحتة أو عجب بالذات لا أكثر، دعني أبدأ سريعًا بسرد ما تبقى من الإجابات.

عندما طرحت السؤال على الجمع المحبب سابق الذكر، أخذتني إجابة أحدهم لأسطورة نشأة اللغات. تحكي الأسطورة عمن سكن الأرض بعد سنوات عدة من طوفان نوح الذي أغرق كل من لم يركب السفينة، بعد موت الجيل الذي عاصر نوح -عليه السلام- تاركًا وراءه قومًا أضعف إيمانًا، لكنهم يحملون خوفًا من طوفان يمسح من على وجه الأرض مجددًا كل من لا يؤمن بالإله. مَلِكُهم المتجبر منحهم فرصة لحل هذا النزاع: ابنوا برجًا شديد العلو لا يغرقه الطوفان! وقد كان، انهمك الناس في بناء البرج ظاهريًا لطمأنة خوفهم، وإن كان باطنهم يخفي تحديًا لقدرة الله. ثم حدث أن ضربت صاعقةٌ البرج ومن يبنوه، وتحطم كل شيء. ولما أفاق البناؤون وجدوا أن كلًا منهم يتحدث بلسان مختلف، وألا قدرة لأحدهم على فهم الآخر! تخبرنا الحكاية أن العقاب الحقيقي لم يكن هدم البرج، بل حرمان البشر من قدرتهم على التواصل!

نحن نكتب لنتواصل. البشر بحاجة دائمة لمشاركة أفكارهم ومشاعرهم. نحن نكتب لأن الحرمان من قدرتنا على التواصل عقاب شديد الإيلام. نكتب لأننا نريد أن نتواصل ليس مع من نعيش معهم فحسب، ولا حتى مع من نعاصرهم من البشر. نكتب لنوسع هذه الدائرة لتشمل أناسًا لم يأتوا بعد سيقرؤون ما كتبنا يومًا ما. وفي الأخيرة أكثر من مجرد إشباع رغبة التواصل، بل هي محاربة لمحدودية الإنسان وتمرد على حتمية موته وخمود ذكره: سيموت نعم، لكن يمكن لما كتبه أن يعيش قرونًا بعده. نحن نكتب لأننا خلقنا كائنات محدودة بالزمان والمكان اللذان يحدان التأثير بالتبعية، لكننا خلقنا أيضَا نكره هذه الحدود ونبحث عما يوسع محدوديتنا ولو بشكل افتراضي ليشمل ما هو أكبر.

باغتني أحد أفراد الجمع بسؤال: "انتي بتقري لمصطفى إبراهيم؟"، ولما أجبته بالإيجاب أكمل "جربتي تقريله وانتي مكتئبة؟ لو مجربتيش جربي. هتحسي إنه بطريقة ما بيقول بالضبط اللي انتي نفسك تقوليه، وهتحسي إنك مبسوطة لمجرد إنك لقيتي حد بيشاركك حزنك وبيحاول يواسيكي، إحنا بنكتب عشان نواسي بعض!" نحن نكتب لنتواصل!

فارقت الجمع وأنا أشعر أنني وجدت الإجابة أخيرًا، لكن إجابة أخرى كانت تنتظرني!

كان ضيفًا غاليًا على الجمع. تكمن هذه "الغلاوة" بالنسبة لي في الإجابة التي منحني إياها عندما اعتقدت أنا أنني لم أعد بحاجة لها. كان عرضه جميلاً وتنقله بين الأفكار حتى يصل للإجابة في النهاية بديعًا، وأشعر بالأسف لأنني سأقتطع الإجابة وحدها دون سرد ما سبقها ليكلا أطيل عليك -عزيزي سين-: الواقع يجرفنا رغمًا عنا نحو ما يريدنا أن نصل إليه. يسرد لنا الحكاية بزاوية يختارها. يتيح لنا النظر فقط على ما يريد لأعيننا أن تراه. ونحن -أبطال الحكاية- لا سبيل لنا لإدراك إلى أن تتجه بنا حكايتنا طالما لم نخرج منها. نحن أبطال الحكاية بحاجة لما يجعلنا نجرد أنفسنا من حكايتنا، ننظر لها بعين من لا يعيشها، نتأملها كغرباء عنها. عندها سيتضح لنا طريقنا، وستتاح لنا فرصة اختبار ما نعيشه في إطار مرجعياتنا. هذا التجرد هو ما نسعى إليه، وهذا التجرد هو ما تمكننا منه الكتابة! نحن نكتب لنمتكن من فهم حياتنا!

هناك 3 تعليقات:

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. أسلوبك حلو جدا ومشوق, ده غير تمكنك الشديد من اللغة
    رائع فعلا :D

    ردحذف
  3. لقد قرأت رسائلك كاملة دفعة واحدة اليوم بالصدفة البحتة، لا أعلم ما الذي أتى بي إلى هنا، ولكني أعلم ما الذي دفعني لإكمال القراءة، أسلوبك رائع وما تطرحينه يستحق القراءة.
    لا أعلم هل كنتِ تتوقعين حقًا أن شخصًا لا تعرفينه ولا يعرفك أن يقرأ رسائلك باهتمام أم لا، ولا أعلم هل ستفرحين لمعرفة هذا أم يشعرك بالارتباك..
    لكنه حدث وأشجعك على الاستمرار وأتمنى قراءة المزيد..
    المخلص،
    سين

    ردحذف