عزيزي ....،
..
لماذا لم أكتب اسمًا؟ ربما لأنني لا أعرف لمن أكتب هذه الرسالة! أنا أكتب لأنني
أشعر بحاجة ماسة إلى البوح، لكني لست متأكدة من صفة الشخص الذي سيكون مستعدًا لسماع
ما سأقوله، أهو صديق مقرب أشاركه أدق تفاصيل يومي؟ أم عزيز لا يجمعني به غير سلام عابر
بين الحين والآخر؟ لم لا يكون خمسينيًا يتجول في الشارع بلا هدف، لا أعرف اسمه ولن
أتواصل معه ثانية، أفرغ أمامه ما بداخلي وأمضي دون أن اضطر للشرح أو التبرير؟ هل
تكون صفحة كاللواتي يستقبلن مشاكل المتابعين واعترافاتهم ليعرضنها دون التعريف
بصاحبها؟ هل يكون طبيبًا نفسيًا؟ لا أعرف! لكن لأسهل على نفسي الكتابة سأفترض أنني
أتحدث لشخص لا يشترط فيه إلا أن يكون له وجود وأن يستطيع قراءة ما أكتب، وسأطلق
عليه اسمًا. لماذا؟ ربما لأقنع نفسي بوجود ذلك الشخص فأستمر في الكتابة،
وربما لأن توجيه الكلام لشخص بعينه سيساعدني في تنظيم أفكاري المبعثرة. حسنًا،
نعود لاختيار الاسم، ليكن السيد سين!
عزيزي سين..
..
آمل أن تجدك رسالتي مرتاح البال ساكن القلب قرير العين معافى البدن، أكتب
إليك للمرة الأولى -متأكدة من هذا برغم أنني لا أعرفك، فأنا لم أكتب رسائل قبلاً
لأي أحد-. أكتب إليك لأنني -كما أسلفت- بحاجة ماسة إلى البوح، وآمل أن يتسع صدرك
لثرثرتي في هذا المساء البارد من أمسيات ديسمبر الموحشة.
أكتب إليك لأشكو خوفي الذي سيطر عليّ بالكامل، فغدا هو السبب الأول
لكل ما فعلت، والدافع الأقوى لكل ما أنوي فعله، والمبرر الوحيد لكل ما كنت عازمة
على فعله ثم لم أفعله. لقد دخل الخوف عقلي وأزاح كل ما قد ينازعه سلطة صناعة
القرار. أحتل مكان المنطق والرجاء والغضب والسعادة والحب وكل من رأى فيه منافسًا
محتملاً، وتركني دون قدرة على الإفلات من قبضته أو حتى على الاستنجاد من نيرانه
بغيره، تركني دون أي مهرب منه إلا إليه!
ربما تريد أن تسأل عن سبب ذلك الخوف -وربما لا تكون مهتمًا بالأساس،
لنفترض الاحتمال الأول لغرض إكمال الرسالة-، وما الذي طرأ عليّ لكي تفارقني
الطمأنينة ويرحل عني السكون. إن كانت أسئلة كهذه تدور بخاطرك الآن فأنت على الأرجح
لا تعرف عني الكثير -ولن أجرؤ على لومك، فكاتبة هذه السطور لا تعرف لمن تكتبها-،
لذا دعني أخبرك عني ما قد يعينك على المتابعة. لم يكن الخوف يومًا ضيفًا عابرًا
عليّ، ولم يتطلب حلوله يومًا عرضًا طارئًا أو فاجعة مرتقبة، فلطالما كان الخوف
مقيمًا بين ضلوعي. وأنا هنا لا أقصد ذلك الخوف الساذج من الظلام والحيوانات
والأماكن المغلقة والأخرى المرتفعة وغيرها -أعتذر إليك إن كان واحدًا من عناصر
القائمة السابقة يخيفك-، ما أعانيه مختلف نوعًا ما، لطالما خفت من كل مجهول، من كل
ما لم يأت بعد، من كل ما انتظره ومن كل ما ينتظرني. التحديات الجديدة، القرارات
المصيرية، الانتقال إلى مكان مغاير أو مرحلة مختلفة، مقابلة أشخاص جدد، الحياة في
ظل ظروف مستجدة، التكيف مع التغيير، معرفة أن ثمة تغيير سيطرأ أصلاً، كلها -حتى
التافه منها- تثقل كاهلي بخوف أغالبه فيغلبني أحيانًا، وأغلبه أحيانًا أخرى بعد أن
يستنزف وقود الرحلة من جلد وقوة وعزم، فأبدأ سيري مترنحةً أكاد لا أقوى على حراك!
يقولون إن الصغار دائمًا يستعجلون الكبر. لا أذكر كل تفاصيل طفولتي
بالطبع، لكني أذكر منها ما يناقض هذا الافتراض. أذكر نوبة تشبه الاكتئاب أصابتني
عند التحاقي بالصف الأول الإعدادي، والذي حدث -بالمناسبة- دون أن أنتقل لمدرسة أخرى
أو أجبر على رفقة جديدة، حتى معلمات المواد المختلفة، كن إما من اللواتي درسنني في
المرحلة الابتدائية، أو كنت على الأقل أعرف أسماءهن وبعض المعلومات الأخرى عن كفاءة الشرح
وصرامة الشخصية ومستوى صعوبة الامتحانات. كل التغيير الذي طرأ كان لون الزي
المدرسي والانتقال إلى الدور الثاني بمبنى المدرسة حيث فصول المرحلة الإعدادية! أذكر أيضًا آخر
يوم دراسي في الصف الرابع الابتدائي، عندما أخبرت معلمتي أنني أخشى الانتقال إلى
الصف الخامس وأنني أود أن أعيد الصف الرابع مجددًا العام القادم لتفادي هذا
الانتقال المخيف! أتأمل تلك المشاهد الآن وأتساءل -كما تتساءل أنت على الأرجح- لم
كان الخوف؟ أنتبه أن السؤال موجه مني إليّ وبالتالي يتعين عليّ أن أجيب، فلا أجد
إجابة! لا يقنعني ذلك الاستسلام المبكر فأعود وأسأل، هل كنت ترين فيما سيأتي ما
يكفي لينتصر الخوف بهذه السهولة؟ لماذا أهملت حقيقة أن كل المخاوف السابقة من
المستقبل -الذي أصبح فيما بعد ماضيًا- قد كشف الزمن زيفها، واتضح لك أنها ببساطة
لم تكن في محلها؟ لماذا لا تحولين بصرك قليلاً عن حجم الاختلافات التي ستطرأ،
لتمنحي نفسك فرصة تأمل المتشابهات التي ستبقى على حالها دون مساس؟ لماذا من الأساس
كل هذا الخوف من التغيير؟ تحاصرني الأسئلة ولا إجابات لدي، يكاد يخنقني تدافعها الشديد
نحوي ولا أملك دفعها، تضجرني فأهرب دون أن ألتفت ورائي، أهرب للخوف الذي أجد
فيه دائمًا ملجأً أكثر أمنًا!
لم يتغير أي شيء من ذلك لاحقًا. مثقلة أنا بالمخاوف يا عزيزي سين،
مخاوف مختلفة في مسبباتها وإن كانت كلها من نوع مألوف عايشته مسبقًا. لم تعلمني
سنوات الخوف الطويلة السالفة أي شيء يطور قدرتي على المواجهة، لا زلت تلك الطفلة
الصغيرة الساذجة التي ترى في كل غير مألوف خطرًا. لا زلت أركض هاربةً قبل أن أعرف
مما أهرب. لا زلت أضيع الفرص وأهدر لحظات العمر السعيدة القليلة. لا زلت أجهل كيف
الخلاص.
أكتب إليك عزيزي سين وأنا في آخر عام لي في الجامعة، وبعد عدة أشهر -لا
أدري هل ستقرأ الرسالة قبل انقضائها أم لا، بل قل لا أدري هل تنوي قراءة الرسالة
أم لا- سأكون ضمن خريجي الدفعة الأولى. أنا خائفة! خائفة لدرجة أن مصارحتي لك بمخاوفي
تطلبت جهدًا ليس بالهين. لم أستطع كتابة الرسالة دفعة واحدة، بل أكتب جملة أو
جملتين ثم أترك الكتابة وأذهب، وهكذا حتى مضى الثلث الأول من يناير دون أن أنهي
الرسالة! لقد ألفت الجامعة التي كنت خائفة منها سلفًا، فهل سآلف حياتي الجديدة
بعدها؟ وماذا يوجد في هذه الحياة؟ وشبح المخاوف القديمة الذي يطل عليّ وأنا أكتب
هذه السطور، هل يعطيني دافعًا للاطمئنان ويخبرني أن ما هو آت سيمر كما مر ما كان
آتيًا قبلاً؟ أم يدمي الجرح نصف الملتئم مجددًا بعد كل ما تطلبه إيقاف النزيف؟ وإلى
متى ستظل السنون تزف إليّ الخوف قبل مجيئها، وتترك الندم بعد مضيها؟ تحاصرني
الأسئلة ولا إجابات لدي، يكاد يخنقني تدافعها الشديد نحوي ولا أملك دفعها، تضجرني فأهرب دون أن ألتفت ورائي، أهرب للخوف الذي أجد فيه الآن ملجأً أكثر أمنًا! أكثر
أمنًا من البوح، أكثر أمنًا من محادثتك يا عزيزي سين!
بداية موفقة جدا ...استمري
ردحذفمن الحقائق القليلة التي علمتني الحياة اياها ان "كله بيعدي" بمره قبل حلوه
ردحذفوحده الزمن يكشف زيف مخاوفنا ..
ردحذفاستمري يا ياسمينا :)